د. محمد محسن رمضان يكتب: الوعي الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستشار الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي د.محمد محسن رمضان
مستشار الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي د.محمد محسن رمضان


تتسارع التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الوعي الرقمي رفاهية، بل ضرورة وجودية لحماية الإنسان والمجتمع. ومن موقعي كمستشار للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، والمشرف على وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمؤسسة رسالة السلام العالمية، أؤكد أن المعركة الحقيقية اليوم لم تعد فقط مع الهجمات الإلكترونية، بل مع “غياب الوعي” الذي يفتح الأبواب لكل تهديد محتمل.

إن التحول الرقمي الذي يشهده العالم أوجد فرصًا هائلة للتنمية والابتكار، لكنه في المقابل كشف عن فجوة خطيرة في إدراك المستخدمين لمخاطر الفضاء السيبراني. فالمستخدم العادي بات هدفًا مباشرًا لعمليات الاحتيال، وانتهاك الخصوصية، والتلاعب بالمعلومات، في ظل بيئة رقمية معقدة تُدار بخوارزميات ذكية قادرة على التأثير في السلوك والقرارات.

وهنا يتجاوز الحديث الإطار التقني ليصل إلى بُعد أعمق يرتبط بالإنسان وقيمه، وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع رؤية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، التي تؤكد أن إصلاح المجتمعات يبدأ من تصحيح المفاهيم وغرس القيم الأخلاقية المستمدة من جوهر الرسالة القرآنية، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الأيديولوجي للدين.

فالوعي الرقمي الحقيقي لا يقتصر على معرفة كيفية حماية الحسابات أو اكتشاف الروابط الخبيثة، بل يمتد ليشمل بناء “مناعة فكرية” ضد التضليل، وخطاب الكراهية، والاستقطاب الرقمي. وهو ما يتسق مع دعوة الشرفاء إلى ترسيخ قيم العدل والرحمة والسلام، ورفض كل ما يؤدي إلى الفرقة والانقسام.

لقد أصبحت المنصات الرقمية ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وهنا تكمن الخطورة. فالمحتوى لم يعد بريئًا دائمًا، والخوارزميات لا تعمل بمعزل عن أهداف اقتصادية أو سياسية. ومن ثم، فإن المستخدم الذي يفتقر إلى الوعي قد يتحول دون أن يدري إلى أداة في نشر الشائعات أو دعم خطاب متطرف.

وفي هذا السياق، فإن بناء الوعي الرقمي يجب أن يستند إلى ثلاثة محاور رئيسية:

أولًا: الوعي التقني، الذي يشمل فهم أساسيات الأمن السيبراني، مثل حماية البيانات، وإدارة الهوية الرقمية، والتعامل الآمن مع التطبيقات والمنصات.

ثانيًا: الوعي المعرفي، المرتبط بقدرة الفرد على التحقق من المعلومات، وفهم آليات التضليل الرقمي، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو الأخبار غير الموثوقة.

ثالثًا: الوعي القيمي، وهو الأهم، حيث يُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالتكنولوجيا على أساس أخلاقي مسؤول، يراعي أثر الكلمة والصورة والمعلومة على المجتمع.

وهنا تتجلى أهمية الرؤية الإصلاحية التي تدعو إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل، عبر ترسيخ الأخلاق والعمل والإحسان، باعتبارها الضمان الحقيقي لاستخدام التكنولوجيا بشكل إيجابي. فالتقنية بلا قيم قد تتحول إلى أداة هدم، بينما القيم قادرة على توجيهها لتكون أداة بناء وتنمية.

ولا يمكن إغفال البعد القومي في هذه المعادلة، حيث يؤكد المفكر العربي الاستاذ محمد الشرفاء الحمادي على أهمية استعادة الوعي الجمعي العربي، وبناء نهضة قائمة على أسس ثقافية وحضارية مشتركة. وفي هذا الإطار، تظل مصر بما تمثله من ثقل تاريخي وحضاري، حجر الزاوية في قيادة هذا التحول، خاصة في مجالات التوعية الرقمية ونشر ثقافة الاعتدال والتنوير.

إن معركة الوعي الرقمي ليست مسؤولية الحكومات أو المؤسسات فقط، بل هي مسؤولية كل فرد. فكل مستخدم هو خط الدفاع الأول عن نفسه ومجتمعه. وكل قرار رقمي—مهما بدا بسيطًا—قد يكون له أثر كبير.

أؤكد أن المستقبل لن يكون للأقوى تقنيًا فقط، بل للأكثر وعيًا. فالتكنولوجيا تتطور، لكن القيم هي التي تحدد الاتجاه. وإذا أردنا بناء مجتمع رقمي آمن ومتماسك، فعلينا أن نبدأ من الإنسان… ووعيه.