العراق.. انتخابات الرئاسة استقرار مؤجل بدون حل للأزمة

الرئيس العراقى الجديد نزار آميدى
الرئيس العراقى الجديد نزار آميدى


نوال سيد
 

فى لحظة سياسية تتكرر فيها الأزمات بأشكال مختلفة دون أن تغير جوهرًا، يأتى انتخاب رئيس الجمهورية فى العراق ليبدو وكأنه اختراق فى جدار الانسداد، بينما هو فى الواقع إعادة ترتيب مؤقتة لتوازنات هشة أكثر منه بداية مسار استقرار حقيقى. فالمشهد السياسى العراقى لا يتحرك وفق منطق الحسم بقدر ما يتحرك داخل دائرة مستمرة من التسويات المؤجلة، حيث تدار الدولة عبر تفاهمات لحظية بين قوى متنافسة، لا عبر عقد سياسى مستقر.

اقرأ أيضًا| سفير العراق الأسبق لدى مصر يتحدث عن الوحدة العربية ومستقبل إيران بعد الحرب

وفى هذا السياق، لا يمكن قراءة انتخاب الرئيس كحدث منفصل عن البنية العامة للنظام، بل كجزء من نمط متكرر يعيد إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة. فكل خطوة نحو الأمام فى المسار الدستورى يقابلها اختبار جديد لمدى قدرة القوى السياسية على تجاوز منطق المحاصصة، وهو ما يجعل أى إنجاز سياسى أقرب إلى تهدئة مؤقتة منه إلى تحول جذرى.

ففى كل مرة ينجح فيها البرلمان العراقى فى إنتاج تسوية سياسية كبرى، يبدو المشهد وكأنه لحظة «إنقاذ» للنظام السياسى من الانهيار. لكن التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين تظهر أن هذه اللحظات ليست سوى محطات مؤقتة فى أزمة أعمق بكثير. ويندرج انتخاب رئيس الجمهورية فى إبريل الجارى، يندرج تمامًا ضمن هذا النمط: خطوة مهمة لكسر الجمود، لكنها أبعد ما تكون عن حل الأزمة.

وغالبًا انتخاب رئيس الجمهورية فى العراق ما يؤدى وظيفة «إعادة تشغيل النظام السياسى» أكثر من كونه نقطة تحول حقيقية فى بنية الحكم. وهذا ما يبدو واضحًا اليوم، حيث خرج العراق من فراغ دستورى، لكنه دخل مباشرة فى معركة أكثر حساسية: اختيار رئيس الوزراء.

اقرأ أيضًا| رئيس وزراء العراق يؤكد أهمية دعم كافة المساعي الدولية لخفض التصعيد

المعضلة الأساسية فى العراق ليست فى الأشخاص، بل فى بنية النظام نفسه. فالنظام القائم على المحاصصة الطائفية والإثنية، والذى نشأ بعد 2003، كان يفترض أن يضمن التوازن بين المكونات، لكنه عمليًا أنتج طبقة سياسية تعتمد على تقاسم السلطة بدلًا من التنافس عليها.

وتشير مراكز بحثية إلى أن هذا النموذج تحول من «حل انتقالى» إلى «أزمة دائمة»، لأنه يجعل كل استحقاق انتخابى بداية لأزمة جديدة، وليس نهاية لها. انتخاب الرئيس، وتشكيل الحكومة، وحتى تمرير القوانين الأساسية، كلها تتحول إلى عمليات تفاوض معقدة بين كتل متنافسة، لا إلى ممارسة ديمقراطية طبيعية.

لم يكن انتخاب نزار آميدى رئيسًا للجمهورية حدثًا مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة ضغط سياسى لتفادى انهيار كامل للمؤسسات الدستورية. فشهور التعطيل البرلمانى كانت كفيلة بإبقاء البلاد فى حالة شلل سياسى، وهو ما دفع القوى الرئيسية إلى قبول تسوية الحد الأدنى.

لكن هذه التسوية، لم تبن على توافق استراتيجى، بل على «إدارة أزمة مؤقتة». أى إن الأطراف السياسية لم تتفق على رؤية مشتركة، بل اتفقت فقط على ضرورة إنهاء الفراغ الرئاسى لتجنب تفاقم الفوضى. وهنا تكمن الإشكالية: عندما تكون التسويات مؤقتة، تصبح كل خطوة سياسية مجرد تأجيل للأزمة، وليس حلًا لها.

فى النظام السياسى العراقى، لا تمثل رئاسة الجمهورية مركز السلطة الفعلية، لكنها بوابة دستورية أساسية لبدء تشكيل الحكومة. ولهذا، فإن الانتقال السريع إلى ملف رئيس الوزراء هو ما يجعل الانتخابات الرئاسية مهمة، لكنه أيضًا ما يكشف حدودها.

تبدأ المعركة الحقيقية الآن، حيث تتصارع القوى الشيعية على ترشيح رئيس الحكومة، فى ظل تداخل واضح بين الاعتبارات الداخلية والضغوط الإقليمية. وهنا تصبح العملية السياسية أكثر تعقيدًا، لأن اختيار رئيس الوزراء لا يتعلق فقط بالكتل البرلمانية، بل أيضًا بتوازنات النفوذ الإقليمى، خصوصًا بين الولايات المتحدة وإيران.

ووفق تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن العراق لا يزال يعمل ضمن «هامش سيادة محدود» فى الملفات الكبرى، ما يجعل قرارات تشكيل الحكومة عرضة للتأثير الخارجى بشكل مباشر أو غير مباشر.

منذ سنوات، يمثل الانقسام داخل القوى الشيعية العامل الأكثر تأثيرًا فى تعطيل تشكيل الحكومات العراقية. فبدلًا من وجود كتلة سياسية موحدة قادرة على فرض مرشح لرئاسة الوزراء، نشأت عدة أقطاب متنافسة تتوزع بين قوى تقليدية وأخرى صاعدة.

هذا الانقسام يجعل كل عملية تشكيل حكومة أقرب إلى «تسوية مؤقتة» منها إلى إنتاج سلطة مستقرة. وهو ما يفسر لماذا تتكرر الأزمات بعد كل انتخابات، حتى عندما يتم انتخاب الرئيس بسرعة نسبية.

لا يمكن قراءة الأزمة العراقية بمعزل عن محيطها الإقليمى. فالعراق اليوم يقع فى قلب توازن حساس بين إيران والولايات المتحدة، حيث تمتلك طهران نفوذًا سياسيًا وأمنيًا داخل بعض الفصائل، بينما تحتفظ واشنطن بحضور عسكرى وسياسى مؤثر. هذا التداخل يجعل أى عملية تشكيل حكومة ليست شأنًا داخليًا بالكامل، بل جزءًا من شبكة تفاهمات إقليمية أوسع. وهو ما يفسر بطء الحسم السياسى، لأن كل خطوة داخلية تحتاج إلى قدر من «القبول الخارجى» غير المعلن.

ورغم أن مؤسسات الدولة العراقية تبدو قائمة وتعمل بشكل منتظم من الناحية الشكلية، إلا أن هذا الاستقرار يخفى هشاشة بنيوية عميقة. فالدولة لا تزال تعمل ضمن توازنات سياسية غير مكتملة، تعتمد على التفاهمات اللحظية أكثر من اعتمادها على مؤسسات قوية قادرة على فرض القرار. هذه الهشاشة تجعل أى تقدم سياسى، مثل انتخاب الرئيس، عرضة للتآكل السريع إذا انهارت التفاهمات بين القوى الرئيسية. وبحسب تحليلات أكاديمية متعددة، فإن العراق يعيش حالة استقرار إجرائى لا استقرار مؤسسى، حيث يتم إدارة الدولة عبر التسويات لا عبر القواعد، وهو ما يبقى الأزمة قابلة للعودة فى أى لحظة عند أول اختبار سياسى أو إقليمى جديد.

انتخاب رئيس الجمهورية فى العراق خطوة ضرورية ولا يمكن التقليل من أهميتها، لكنه ليس منعطفًا تاريخيًا بقدر ما هو محطة إجرائية فى مسار طويل من الأزمات المتكررة. فالمشكلة ليست فيمن يشغل المنصب، بل فى الطريقة التى يدار بها النظام السياسى بأكمله. وإذا لم يتم الانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الدولة، فإن انتخاب الرئيس الحالى سيبقى مجرد فصل جديد فى قصة قديمة، عنوانها الأكبر: إدارة الأزمة بدلًا من إنهائها.