مروى حـسن

إسرائيل.. تشكيل واقع جديد فى الجنوب

آثار غارات إسرائيلية على لبنان
آثار غارات إسرائيلية على لبنان


مروى حـسن

فى لحظة إقليمية شديدة الحساسية، جاءت مباحثات واشنطن غير المباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل كتحرك دبلوماسى يبدو فى ظاهره محاولة للتهدئة، لكنه فى جوهره يعكس صراعًا أعمق تُرسم ملامحه على الأرض قبل أن تُثبت على طاولة التفاوض. فهذه المباحثات، التى جرت برعاية الولايات المتحدة، لا يمكن فهمها بمعزل عن التطورات الميدانية المتسارعة على الحدود الجنوبية لـ لبنان، حيث تسعى إسرائيل إلى ترجمة أهدافها الاستراتيجية إلى وقائع ملموسة.

اقرأ أيضًا| «القاهرة الإخبارية»: إسرائيل تتحرك لتثبيت منطقة عازلة جنوب لبنان وسط غموض سياسي

من أبرز الأهداف الإسرائيلية المعلنة وغير المعلنة تحييد حزب الله عسكريًا، وهو ما يظهر بوضوح فى طبيعة العمليات العسكرية الجارية. فعلى الأرض، كثّفت إسرائيل ضرباتها التى تستهدف منصات إطلاق الصواريخ ومخازن السلاح، فى محاولة لتقليص قدرات الحزب قبل الوصول إلى أى تسوية. ولم يقتصر الأمر على المناطق الحدودية، بل امتد إلى العمق اللبنانى، فى رسالة واضحة مفادها أن المجال الجغرافى للحزب لم يعد يوفر له الحماية. هذا الربط بين التفاوض والتصعيد يعكس استراتيجية تقوم على فرض شروط مسبقة بالقوة، بحيث تأتى المفاوضات لاحقًا لتكريس ما تحقق ميدانيًا.

فى السياق ذاته، يظهر الهدف الثانى المتمثل فى إعادة تشكيل الواقع الأمنى فى جنوب لبنان من خلال تحركات متوازية على الأرض. فبينما تطرح إسرائيل فى المفاوضات فكرة إنشاء مناطق عازلة وإبعاد التهديدات عن حدودها، نشهد عمليًا ضربات مركزة تهدف إلى تفريغ الشريط الحدودى من القدرات العسكرية لحزب الله. بالتوازى، برزت محاولات لتعزيز انتشار الجيش اللبنانى فى بعض المناطق الجنوبية، وهو ما يعكس ضغوطًا دولية لدفع الدولة اللبنانية إلى لعب دور أمنى أكبر، بما يضمن بيئة أكثر قابلية للضبط والسيطرة.

أما على مستوى ترسيم الحدود، وهو أحد الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى، فإن الميدان أيضًا يلعب دورًا حاسمًا. فاستمرار الاشتباكات فى مناطق متنازع عليها يسلط الضوء على هشاشة الوضع الحدودى الحالى، ويدفع نحو الحاجة إلى اتفاق واضح يحدد خطوط السيطرة بشكل نهائى. ومن خلال الضغط العسكرى، تحاول إسرائيل تسريع الوصول إلى هذا الهدف، بحيث يتم تثبيت حدود لا تسمح بعودة التوترات بنفس الوتيرة السابقة، خاصة فى ظل الأهمية الاقتصادية المتزايدة للمنطقة.

اقرأ أيضًا| وزارة الأسرى بغزة: 350 قاصرا و84 امرأة يقبعون خلف قضبان الاحتلال

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن البعد الإقليمى الأوسع، حيث تسعى إسرائيل إلى تقليص نفوذ إيران فى لبنان. فالميدان اللبنانى يشهد بوضوح تداخلًا بين المحلى والإقليمى، إذ تُستخدم الضربات الإسرائيلية ليس فقط لإضعاف حزب الله، بل أيضًا لإرسال رسائل مباشرة إلى طهران. هذا التداخل يعزز من أهمية المفاوضات، التى تتحول إلى ساحة غير مباشرة لإدارة الصراع بين إسرائيل وإيران، حيث يُترجم الضغط العسكرى إلى أوراق تفاوضية.

فى المقابل، تكشف الوقائع أن إسرائيل لا تنظر إلى المفاوضات كبديل عن القوة، بل كامتداد لها. فاستمرار العمليات العسكرية بالتزامن مع انعقاد المباحثات يعكس نهجًا واضحًا يقوم على التفاوض من موقع التفوق، بهدف دفع الطرف اللبنانى للقبول بشروط قد لا يكون مستعدًا لها فى ظل ظروف طبيعية، مستفيدًا من الضغوط الميدانية والاقتصادية والسياسية التى يواجهها.

كما أن الدور الذى تلعبه الولايات المتحدة فى هذه المباحثات لا يقتصر على الوساطة، بل يمتد إلى ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على لبنان، بما يعزز من فرص تمرير ترتيبات أمنية تتماشى مع الرؤية الإسرائيلية، وهو ما يعمّق الترابط بين الدبلوماسية والقوة، حيث تُستخدم الأدوات الدولية لتثبيت نتائج العمليات العسكرية.

من هنا، يتضح أن مباحثات واشنطن ليست مجرد حوار سياسى تقليدى، بل هى انعكاس مباشر لصراع يُحسم جزء كبير منه على الأرض. فإسرائيل تسعى من خلال الجمع بين التصعيد العسكرى والتحرك الدبلوماسى إلى تحقيق أهداف متعددة: تأمين حدودها، إضعاف خصومها، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وبينما تستمر المفاوضات، يبقى العامل الحاسم هو ما يحدث ميدانيًا، حيث تتحول الوقائع العسكرية إلى أساس لأى اتفاق محتمل.

وإذا كانت الأهداف المعلنة واضحة، فإن الدوافع الحقيقية للانخراط الإسرائيلى فى المفاوضات تتجاوز إطار التهدئة الأمنية إلى حسابات أعمق تتعلق بإعادة ترميم منظومة الردع فى الجبهة الشمالية. فإسرائيل تتحرك فى لحظة تشهد فيها حدودها مع لبنان حالة استنزاف ميدانى متكرر، ما يجعل خيار المفاوضات أداة لالتقاط الأنفاس وليس تحولًا استراتيجيًا فى حد ذاته. كما أن تصاعد التحديات الأمنية المرتبطة بـ حزب الله دفع صانع القرار الإسرائيلى إلى محاولة تثبيت مكاسب ميدانية تم تحقيقها خلال التصعيد العسكرى، قبل أى تغير فى موازين القوى أو تدخلات إقليمية أوسع.

إلى جانب ذلك، يرتبط التحرك الإسرائيلى أيضًا باعتبارات داخلية، أبرزها تقليل كلفة استمرار المواجهة المفتوحة على الجبهة الشمالية، سواء من حيث الضغط العسكرى أو الاقتصادى أو السياسى، مع الحفاظ فى الوقت نفسه على صورة الردع أمام الداخل الإسرائيلى والفاعلين الإقليميين. كما تلعب الحسابات المرتبطة بـإيران دورًا غير مباشر، حيث تُستخدم الساحة اللبنانية كمساحة ضغط متقدمة ضمن صراع أوسع يتجاوز حدود لبنان الجغرافية.

وفى هذا الإطار، تعتمد إسرائيل فى إدارتها للمسار التفاوضى على مزيج من الأدوات العسكرية والدبلوماسية التى تعمل بشكل متوازٍ لا متعارض. فى مقدمة هذه الأدوات يأتى الضغط الميدانى المستمر، حيث يتم الحفاظ على مستوى من العمليات العسكرية المحدودة أو المركزة بهدف التأثير المباشر على شروط التفاوض وخلق وقائع جديدة تُفرض لاحقًا داخل الغرف السياسية. كما توظف إسرائيل دور الوساطة الذى تلعبه الولايات المتحدة باعتباره قناة ضغط إضافية، سواء عبر صياغة أجندة التفاوض أو الدفع نحو ترتيبات أمنية محددة تعكس رؤيتها.

ومن بين الأدوات أيضًا إدارة التصعيد المتدرج، أى استخدام القوة بشكل محسوب يمنع الانفجار الشامل لكنه يحافظ على حالة ضغط مستمر تُضعف الطرف المقابل تدريجيًا. وإلى جانب ذلك، تعتمد إسرائيل على تفكيك الجبهة الداخلية اللبنانية سياسيًا وإعلاميًا عبر إبراز دور الدولة اللبنانية مقابل القوى غير النظامية، بما يخلق تباينًا فى الأولويات داخل القرار اللبنانى ويزيد من صعوبة بلورة موقف تفاوضى موحد.

لا تبدو مباحثات واشنطن خطوة نحو تسوية تقليدية بقدر ما هى محطة فى مسار طويل من إعادة هندسة المشهد الأمنى فى المنطقة. فإسرائيل تتحرك وفق مقاربة مزدوجة تجمع بين القوة والتفاوض، حيث تُصاغ الشروط على الأرض قبل أن تُناقش على الطاولة، ويُعاد رسم حدود الممكن سياسيًا عبر ما يُحسم ميدانيًا.