حتشبسوت بين الأسطورة والحقيقة.. هل شوه التاريخ قصة أول ملكة فرعونية؟

الملكة حتشبسوت
الملكة حتشبسوت


على مدار عقود طويلة، ترسخت في أذهان المؤرخين والجمهور رواية درامية عن الملكة حتشبسوت، تصورها كحاكمة قوية انتهى بها المطاف ضحية انتقام قاسٍ من وريثها الملك تحتمس الثالث، الذي يُعتقد أنه سعى إلى محو اسمها وتدمير تماثيلها بدافع الغضب والصراع على العرش.

دراسة حديثة تعيد فتح هذا الملف الشائك، وتطرح قراءة مغايرة تقلب المفاهيم التقليدية رأسًا على عقب، في محاولة لفهم أعمق لكيفية تعامل المصري القديم مع السلطة والرمزية والخلود.

 

◄ دلائل على تصفية سياسية واسعة

 

في قلب هذا الجدل الأكاديمي، يبرز اسم الباحث جون يي وونج، المتخصص في علم المصريات بجامعة تورنتو، والذي أثارت دراسته الأخيرة نقاشًا واسعًا داخل الأوساط العلمية، بعد أن قدم تفسيرًا مختلفًا لطبيعة الدمار الذي لحق بتماثيل حتشبسوت.

الرواية التقليدية، التي سادت لعقود، صورت حتشبسوت كحاكمة "مغتصبة للعرش"، تعرضت بعد وفاتها لعملية محو ممنهجة بدافع الانتقام السياسي، غير أن وونج يشير إلى أن هذه الفرضية لم تكن يومًا محل إجماع كامل، لافتًا إلى أن عددًا من كبار المسؤولين الذين خدموا في عهد حتشبسوت استمروا في مناصبهم خلال حكم تحتمس الثالث، دون أي دلائل على تصفية سياسية واسعة، وهو ما يضعف فكرة وجود عداء شخصي عميق.

ويؤكد الباحث أن ما نشهده اليوم ليس بالضرورة "تصحيحًا نهائيًا للتاريخ"، بل تطورًا طبيعيًا في فهم الأدلة، مدفوعًا بتراكم الأبحاث وتعدد زوايا التحليل، مشيرًا إلى أن كل جيل يعيد قراءة الماضي وفق أدواته المعرفية.

 

◄ إبطال القوة الرمزية للتمثال

 

لكن المفاجأة الكبرى في الدراسة تكمن في تفسير طبيعة تدمير التماثيل نفسها، فبدلًا من مشهد عنيف يعكس كراهية أو انتقامًا، يقدم وونج أدلة تشير إلى ما يُعرف بـ"التعطيل الطقسي"، وهو مفهوم ديني كان يهدف إلى إبطال القوة الرمزية للتمثال دون محوه بالكامل.

 

اقرأ ايضا| وجه السلطة بملامح مزدوجة.. رأس حتشبسوت بين الأنوثة وهيبة العرش

 

ويستند هذا الطرح إلى تحليل دقيق لحالة التماثيل المكتشفة، حيث لوحظ أن كثيرًا منها تعرض لكسر منظم عند مناطق محددة مثل الرقبة والخصر والقدمين، بينما ظلت ملامح الوجه سليمة في كثير من الحالات. هذا النمط لا يتوافق مع التدمير العشوائي، بل يشير إلى عملية مقصودة ومنهجية، تحمل أبعادًا طقسية واضحة.

كما أن اكتشاف بعض هذه التماثيل مدفونة في مواقع محددة، مثل أسفل الطريق الصاعد لمعبد تحتمس الثالث، دون أي آثار لعبث لاحق، يعزز فرضية أن عملية "التعطيل" تمت بشكل منظم وفي سياق رسمي، وليس نتيجة فوضى أو انتقام.

 

◄ إعادة ترتيب الشرعية الملكية

 

ولا ينفي وونج وجود دوافع سياسية وراء استهداف صور حتشبسوت، بل يرى أن السياسة والدين كانا متداخلين بشكل كبير في مصر القديمة، موضحًا أن تحجيم حضورها الرمزي كان قد يخدم أهدافًا تتعلق بإعادة ترتيب الشرعية الملكية، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود كراهية شخصية.

ومن زاوية أخرى، يشير الباحث إلى أن جزءًا كبيرًا من الدمار الذي لحق بتماثيل حتشبسوت حدث في عصور لاحقة، حيث أُعيد استخدام هذه التماثيل كمواد بناء، بل وتحولت بعض أجزائها إلى أعمدة خلال العصرين اليوناني والروماني، وهو ما يعني أن تحتمس الثالث ربما لم يكن المسؤول الوحيد عن الصورة "المدمرة" التي وصلت إلينا.

ويعتمد وونج في تحليله على منهج أقرب إلى التحقيق الجنائي، يركز على "سياق الاكتشاف" وأنماط الكسر وتوزيع الشظايا، بدلًا من الاكتفاء بالتحليل الفني أو الرمزي التقليدي، وهو ما أتاح له قراءة الأدلة من منظور مختلف.

 

◄ شخصية تاريخية معقدة

 

أما عن دور كون حتشبسوت امرأة في تشكيل إرثها، فيقر الباحث بأن جنسها قد لعب دورًا في تفسير تاريخها، سواء في العصور القديمة أو الحديثة، حيث غالبًا ما تُقرأ إنجازاتها من خلال هذا المنظور، رغم أنها كانت استثنائية بمعايير أي حاكم، رجلًا كان أم امرأة.

وفي النهاية، تبقى القصة مفتوحة على احتمالات متعددة، فكما يؤكد وونج، فإن أي اكتشاف أثري جديد قد يعيد تشكيل الفهم مرة أخرى. لكن المؤكد أن حتشبسوت لم تعد مجرد "ضحية انتقام"، بل شخصية تاريخية معقدة، تتجاوز الروايات البسيطة، وتدعو إلى إعادة النظر في كيفية قراءة التاريخ نفسه.