لم يعد السؤال اليوم: ماذا حدث؟ بل: كيف نراه؟
فى عالم تتدفق فيه الأخبار بلا توقف وتُصاغ فيه الوقائع فى قوالب متعددة لم تعد الحقيقة وحدها كافية لتشكيل الموقف. ما يحدد رد الفعل وما يصنع الاتجاه هو الانطباع أكثر مما هو الواقع. وهنا تبدأ المشكلة أو لنقل: هنا تبدأ القصة الحقيقية. الحقيقة بطبيعتها ثابتة حتى وإن كانت معقدة.
أما الانطباع فهو سريع مرن وقابل للتشكيل يُبنى من زاوية واحدة أو من صورة مجتزأة أو من رواية ناقصة لكنه فى النهاية يبدو كاملًا لمن يتلقاه. فى الأحداث التى نعيشها الآن خاصة مع التصعيد فى المنطقة بين إسرائيل وإيران تتجلى هذه الفجوة بوضوح. كل طرف يقدم روايته وكل منصة تروج لتفسيرها وكل متابع يختار ما يتوافق مع قناعته. فيتحول الحدث الواحد إلى عشرات الصور… وكل صورة تدّعى أنها الحقيقة. لكن الحقيقة لا تتعدد… ما يتعدد هو الانطباع عنها.
هنا لا يعود الصراع فقط على الأرض بل فى العقول أيضًا. من ينجح فى تشكيل الانطباع ينجح فى توجيه الرأى العام حتى لو لم يمتلك الحقيقة كاملة.. وهذا ما يجعل إدارة الصورة جزءًا أساسيًا من أى مواجهة حديثة. فى هذا السياق تصبح السرعة عاملًا حاسمًا.
الانطباع يُصنع فى اللحظة بينما الحقيقة تحتاج وقتًا لتتضح. وبين اللحظة والوقت تتشكل مواقف وتُبنى قناعات وقد تُتخذ قرارات. وهنا تكمن الخطورة. أن نبنى أحكامنا على ما يبدو لا على ما هو كائن. أن نكتفى بما يصل إلينا دون أن نسأل عمّا غاب. فى الداخل لا يختلف الأمر كثيرًا.. فى قضايا الاقتصاد أو السياسة أو حتى الحياة اليومية كثيرًا ما نحكم بناء على انطباع أولى. رقم يُقرأ بطريقة معينة، خبر يُفسر بشكل سريع موقف يُؤخذ من زاوية واحدة.. ومع تكرار هذا النمط يتحول الانطباع إلى حقيقة بديلة يصعب مراجعتها. لكن هل الحل أن نشك فى كل شيء؟
الدول أيضًا تواجه هذا التحدى. فى إدارة الأزمات لا يكفى أن تتعامل مع الواقع بل يجب أن تدير الانطباع عنه. لأن الرأى العام داخليًا وخارجيًا يتأثر بما يُرى ويُقال بقدر ما يتأثر بما يحدث فى ظل ما يحيط بها من تطورات تتحرك فى هذا الإطار. تحاول الحفاظ على استقرارها وفى الوقت ذاته تدرك أن الصورة التى تُنقل عنها لا تقل أهمية عن الواقع الذى تعيشه.
نحن لا نقف أمام اختيار بسيط بين حقيقتين بل أمام مساحة واسعة بين ما نعرف وما نظن أننا نعرف. وفى هذه المساحة تتحدد مواقفنا وتُبنى رؤيتنا وقد نُخطئ أو نقترب. فأين نقف؟

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







