كتب - دينا عرفة
فى هذا الركن الهادئ تتنسم روائح زمن الخير، لا تفوح فقط رائحة الطعام، بل تمتد رائحة «الستر» لتملأ المكان، وكأن كل طبق يخرج من هنا يحمل رسالة خفية عنوانها الرحمة.. داخل «مطعم المحروسة»، لا تُطهى الوجبات على النار فقط، بل تُصنع على مهلٍ من مشاعر صادقة، لتتحول من مجرد طعام يسد الجوع إلى دفءٍ حقيقى يجبر القلوب قبل البطون.
هنا، يبدو المكان أقرب إلى «بيت كبير» يعرف أهله بعضهم دون أن يلتقوا؛ أيادٍ تُعطى بحب، وقلوب تستقبل بامتنان دون حرج. يتردد فى الأجواء شعار بسيط فى كلماته، عظيم فى معناه «دايماً عامر»… عامر بالخير، عامر بالناس، وعامر بالأمل الذى يتسلل بهدوء إلى نفوس من ظنوا أن الدنيا ضاقت. داخل «مطعم المحروسة»، تتحرك التفاصيل كخلية نحل منظمة، حيث تُعد الوجبات ضمن مبادرة «الإطعام» التى تنفذها وزارة التضامن الاجتماعى بالتعاون مع وزارة الأوقاف، فى إطار رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسى لتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، والوصول إلى الأسر الأولى بالرعاية فى مختلف المحافظات، عبر مطاعم ثابتة وأخرى متنقلة.
ويؤكد ثروت الششتاوي، المدير التنفيذى للمطعم، أن العمل يسير وفق منظومة دقيقة تضع الجودة والسلامة الغذائية فى مقدمة أولوياتها، بدءًا من استلام المواد الخام وحتى تجهيز الوجبات وتوزيعها. ويوضح أن المطعم ينتج نحو ٤ آلاف وجبة ساخنة يوميًا، بإجمالى يصل إلى ١٢٠ ألف وجبة شهريًا، تُقدَّم وفق أعلى معايير النظافة والانضباط.
ويضيف أن الهدف لا يقتصر على تقديم الطعام، بل يمتد ليشمل الحفاظ على كرامة المستفيدين، وضمان حصولهم على وجبة آمنة ومتكاملة. كما ساهمت المبادرة فى خلق فرص عمل لعدد من السيدات، اللاتى أصبحن جزءًا من هذه المنظومة الإنسانية، بما يعزز البعد الاجتماعى والتمكينى للمشروع.
وبحسب جدول العمل، تبدأ تجهيزات وجبات الإفطار فى العاشرة صباحًا، تليها وجبات الغداء التى تُوزع فى الثانية والنصف ظهرًا، وسط رقابة مستمرة لضمان جودة كل وجبة. وفى هذا اليوم الذى زورنا فيه المطعم، كانت الوجبة «فاصوليا باللحم وأرز»… بسيطة فى مكوناتها، لكنها كبيرة فى أثرها.
ولا يتوقف أثر «مطعم المحروسة» عند حدود الوجبة المقدمة، بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ يخلق حالة من الطمأنينة لدى المستفيدين، ويمنحهم شعورًا بأن هناك من يفكر فيهم ويراعى احتياجاتهم دون أن يُشعرهم بثقل السؤال. هنا، تتحول المبادرة إلى مساحة إنسانية حقيقية، تُعيد ترميم ما أرهقته الحياة، وتؤكد أن التكافل ليس شعارًا، بل ممارسة يومية تُرى وتُلمس.
يقول أحد المستفيدين، بينما يتناول طعامه فى هدوء «الأكل نظيف وطعمه حلو، والأهم إننا بناخده من غير إحراج.. هنا بنحس إن لينا قيمة.» «مطعم المحروسة» يقدّم نموذجًا متكاملًا لمبادرات الحماية الاجتماعية، حيث لا يقتصر دوره على توفير وجبات يومية بجودة عالية، بل يمتد ليحفظ كرامة المواطن ، ويوفر فرص عمل، ويعزز روح التكافل داخل المجتمع. إنها تجربة تُثبت أن العطاء حين يُنظم ويُدار باحترافية، يتحول إلى قوة حقيقية تُغير حياة الناس. ومع هذا النجاح الإنسانى الواضح، تبقى الأمنية الأكبر أن يتكرر هذا النموذج فى كل محافظة، وأن تمتد هذه المبادرات لتصل إلى كل محتاج، حتى يصبح الدعم حقًا متاحًا، والستر مظلةً دائمة، وتظل مصر بما تحمله من خير وأيادٍ لا تتأخر، بل دايماً عامرة.
جوهرة الدولة المملوكية| «المؤيد شيخ» حكاية سلطان «نذر» بناء مسجده فوق سجنه
تدريب طلاب المستقبل| انطلاق منتدى التعليم التقنى والمهنى لدول المتوسط
خبز الأجداد يعـــود| «الساور دو» من الفراعنة إلى «الترند»







