قضية ورأى

الترشيد مسئوليتنا جميعًا

أحمد سلام
أحمد سلام


الدولة تضع السياسات وتوفر الإمكانات، لكن المواطن هو من يمنح هذه السياسات فاعليتها الحقيقية .

مع دخول الإجراءات الحكومية الجديدة لترشيد استهلاك الطاقة حيز التنفيذ اعتبارًا من 28 مارس ولمدة شهر، والتى جاءت فى ظل تطورات إقليمية بالغة الحساسية، من ثم، فإن الإجراءات التى تتخذها الدولة لا تأتى فى إطار تنظيمى داخلى فحسب، بل تعكس قراءة دقيقة لمشهد إقليمى متغير يستدعى أعلى درجات الجاهزية والكفاءة فى إدارة الموارد.

أتيحت لى، خلال سنوات عملى والتواصل الدولى، فرصة متابعة نماذج إعلامية متقدمة، وعلى رأسها التجربة الصينية، التى قدمت نموذجًا متكاملًا فى توظيف الإعلام التقليدى والرقمى فى خدمة القضايا الوطنية، خاصة فى أوقات الأزمات.

من هنا، فإن الإجراءات التى اتخذتها الدولة المصرية لا تندرج فقط ضمن إطار تنظيمى داخلى، بل تعكس قراءة استراتيجية دقيقة لمشهد إقليمى ودولى شديد التعقيد، يستدعى أعلى درجات الكفاءة فى إدارة الموارد وتعزيز جاهزية الدولة لمواجهة أى سيناريوهات محتملة.

وقد تحركت الدولة المصرية برؤية استباقية واضحة، مستندة إلى تنويع مصادر الطاقة، والتوسع فى مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، إلى جانب تبنى سياسات لترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة الاستخدام، إلا أن نجاح هذه الجهود يظل مرهونًا بمدى وعى المواطن المصرى وإدراكه لحجم التحديات الراهنة.

فالمواطن اليوم لم يعد متلقيًا فقط، بل شريكًا فاعلًا فى معادلة الاستقرار، ومن ثم، فإن ترشيد استهلاك الكهرباء والغاز والوقود يجب أن يتحول من استجابة ظرفية إلى سلوك دائم يعكس وعيًا حضاريًا ومسئولية وطنية، فالهدر فى استخدام الطاقة، سواء من خلال الإضاءة غير الضرورية أو الاستخدام غير الرشيد للأجهزة، يمثل عبئًا يمكن تفاديه بسهولة، وينطبق الأمر ذاته على استهلاك المياه، التى تمثل موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية.

وبالعودة إلى تجارب الدول لحل الإزمات وتغيير بعض السلوكيات، يتجدد الحديث عن الدور المحورى للإعلام المصرى، الذى يجب ألا يكون مجرد ناقل للمعلومات، بل شريكًا أساسيًا فى إدارة الوعى العام.

 وهنا، تبرز أهمية الاستفادة من الخبرات التراكمية داخل المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها الهيئة العامة للاستعلامات، التى كان يرأسها السيد وزير الدولة لشئون الإعلام حاليًا، والتى لعبت عبر قطاعى الإعلام الداخلى والمعلومات دورًا مهمًا فى دعم قضايا الوعى المجتمعى.

حيث يظل قطاع الإعلام الداخلى أحد أهم أدوات التواصل المباشر مع المواطنين، من خلال الندوات واللقاءات الميدانية التى تسهم فى شرح أبعاد التحديات وتعزيز التفاعل المجتمعى معها.

أما قطاع المعلومات بالهيئة العامة للاستعلامات بكافة إداراته وأذكر هنا على سبيل المثال الموقع الإليكترونى باعتباره من أوائل المنصات الحكومية الرقمية فى مصر، وقاعدة مهمة يمكن البناء عليها، خاصة مع ما يمتلكه من خبرات فى توظيف الوسائط المتعددة لإنتاج محتوى توعوى مؤثر.

 ومن واقع تجربتى الشخصية فى تأسيس إدارة الوسائط المتعددة بالهيئة عام 2000 التى كان لها دور مهم فى إنتاج العديد من الأفلام القصيرة والرسوم المتحركة لكافة الأعمار فى العديد من القضايا التى تهم المجتمع ومنها ترشيد الماء والكهرباء وتنظيم الأسرة وغيرها، والذى يؤكد أن تطوير المحتوى الرقمى المبسط، المدعوم بالبيانات والتحديث المستمر، يمكن أن يحدث فارقًا حقيقيًا فى تشكيل وعى المواطن.

ولا يقل دور الصحافة أهمية، حيث تقع على عاتقها مسئولية تقديم معالجة متعمقة لقضايا الترشيد، عبر مقالات تحليلية، وتقارير ميدانية، واستضافة شخصيات مؤثرة قادرة على توصيل الرسالة بشكل فعال.

وكذلك الحال بالنسبة للإعلام المرئى والمسموع، الذى يمتلك قدرة كبيرة على الوصول والتأثير، خاصة إذا ما تم توظيفه بشكل احترافى يستند إلى تبسيط المعلومة دون الإخلال بدقتها.

ومن المهم أيضًا التفكير فى توسيع نطاق الحملات التوعوية لتشمل الفضاء العام، على غرار التجارب الدولية الناجحة، بحيث تصبح رسائل الترشيد جزءًا من المشهد اليومى للمواطن، سواء فى وسائل النقل، أو الأماكن العامة، أو عبر المنصات الرقمية، بما يضمن استمرارية التأثير وتراكمه.
فى النهاية، تبقى معركة الترشيد معركة وعى فى المقام الأول، فالدولة تضع السياسات وتوفر الإمكانات، لكن المواطن هو من يمنح هذه السياسات فاعليتها الحقيقية .

باحث فى الشئون الأسيوية والدولية