فى اللحظات الأخيرة لتهديد رئاسى أمريكى «بفناء حضارة بأكملها»، وخلال مهلة ترامبية حبست أنفاس العالم، دخلت منطقة الشرق الأوسط فى «هدنة الأسبوعين» بين واشنطن وطهران بوساطة رباعية من مصر والسعودية وباكستان وتركيا يوم ٨ أبريل الجارى، لتتوقف مؤقتاً أعنف مواجهة مباشرة شهدتها المنطقة..
اقرأ أيضًا| رويترز: استشهاد 10 أشخاص في غارات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية للبنان
الهدنة جاءت بعد ٦ أسابيع من عملية «الغضب الملحمى» الأمريكية والإسرائيلية التى استهدفت قلب النظام الإيرانى ومنشآته النووية، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى وقياداته العليا، لكنها لم تنجح فى هزيمة إيران بالضربة القاضية.
تتوجه الأنظار منذ الأمس إلى مفاوضات إسلام آباد التى تنعقد فوق فوهة بركان مشتعل بين أطراف الصراع.. سيناريوهات عديدة قد تحدث يصاحبها تخوفات حذرة يشوبها الكثير من الغموض والترقب.
قبل أيام، أصدر مركز أبحاث الكونجرس الأمريكى تقريراً تحليلياً بالغ الأهمية.. ما جاء فيه لا يقرأ فحسب، بل يتم ترجمته فى أغلب الأحيان إلى تشريعات وقرارات أمريكية. وفى هذه الحالة تحديداً، يكتسب التقرير ثقلاً مضاعفاً، لأنه يصدر فى نزاع مفتوح النهايات، وفى لحظة يتصارع فيها الكونجرس والسلطة التنفيذية على صلاحيات توجيه السياسة الخارجية والقوة العسكرية الأمريكية.
التقرير يبدأ بتفصيل أهداف كل طرف فى الحرب، ونجد أن واشنطن، تحت قيادة الرئيس ترامب، وضعت أهدافاً تتمثل فى تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية بالكامل، وضمان عدم امتلاك طهران لسلاح نووى، وإنهاء دعمها للوكلاء الإقليميين، وصولاً إلى هدف أبعد وهو «تغيير النظام» عبر إضعافه إلى حد الانهيار أو إثارة انتفاضة شعبية. فى المقابل، يرى التقرير أن إيران، تحت قيادة الابن مجتبى خامنئى، خاضت حرباً دفاعية وجودية، سعت من خلالها إلى ممارسة أقصى درجات الضغط عبر تعطيل ممرات الطاقة الدولية لإجبار المجتمع الدولى وواشنطن على التراجع، معتبرة أن بقاء هيكل النظام هو الانتصار الأسمى مهما بلغت التضحيات.
اقرأ أيضًا| شهيد في غارة إسرائيلية بطائرة مُسيّرة على بلدة ربين جنوب لبنان
وبلغة الأرقام، يكشف التقرير عن الكلفة الباهظة لهذه المواجهة، فقد قصفت القوات الأمريكية أكثر من 10 آلاف هدف داخل إيران، مستنزفة مليارات الدولارات من الذخائر الأمريكية فى أسبوع واحد، وبلغت فى أيامها الستة الأولى فقط 11.3 مليار دولار. ويشير التقرير إلى طلب البنتاجون «ملحق ميزانية» طارئًا قد يصل إلى 200 مليار دولار لتغطية تكاليف العمليات وتعويض الذخائر والرادارات وأنظمة الدفاع الجوى المدمرة خاصة مع مقتل 13 جندياً أمريكياً ودمار لحق بالقواعد الأمريكية بالمنطقة. أما إسرائيل فتسعى للتخلص من عدوها الأول وهو إيران وحرمانه من امتلاك أسلحة نووية.
وأوضح التقرير أن طهران أحرجت الولايات المتحدة من خلال استهدافها لشركائها من دول الخليج مشيرة إلى أن 40٪ من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية استهدفت دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها. كما استهدفت القواعد العسكرية والمنشآت الدبلوماسية الأمريكية مما أسفر عن خسائر بشرية ومادية.
ويضع التقرير علامات استفهام حول أسباب عدم سقوط النظام فى إيران؟ ويصف الوضع الداخلى الإيرانى بأنه المتغير الأكثر غموضاً وتأثيراً فى آن واحد. فالنظام يعانى من استنزاف شديد ومتراكم بداية من العقوبات الاقتصادية الخانقة، وتآكل الشرعية الشعبية إثر موجات الاحتجاج المتكررة، وانهيار منظومة «محور المقاومة» بعد تراجع نفوذ حزب الله وسقوط نظام بشار الأسد فى سوريا ونهاية بالحرب الأخيرة غير أن التقرير يؤكد أنه لا يوجد حتى الآن ما يُشير إلى معارضة سياسية أو مسلحة داخل إيران تشكّل تهديداً وجودياً واضحاً للنظام. بمعنى أن الضربات الخارجية أضعفت الجسد، لكنها لم تسقط النظام حتى بعد اغتيال أهم القيادات.
ويمتد التقرير ليتناول ملف مبيعات الأسلحة خلال الحرب حيث أبلغت إدارة ترامب المشرّعين بالكونجرس بنيتها إتمام صفقات أسلحة تتجاوز قيمتها الإجمالية 23 مليار دولار لدول إقليمية من بينها إسرائيل والكويت والأردن وقطر والإمارات، وذلك عبر آليات طارئة تتجاوز المراجعة البرلمانية المعتادة.
وأشار التقرير إلى أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية حذرت من أن النظام الإيرانى قد يستهدف الشركات الأمريكية بهجمات إلكترونية إذ أعلنت مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران مسئوليتها عن هجوم إلكترونى «مدمر» وقع فى 11 مارس الماضى على شركة «سترايكر» الأمريكية للتكنولوجيا الطبية. كما حذر التقرير من استفادة روسيا والصين من هذا الصراع وهو ما يجب أخذه بعين الاعتبار.
اقرأ أيضًا| ارتقاء 8 شهداء جراء غارات إسرائيلية على شمال وجنوب قطاع غزة
يرى التقرير أننا أمام ٤ سيناريوهات مستقبلية أولها هدنة غير مستقرة، إذ قد يتوقف القتال دون اتفاق شامل، مع احتمال استمرار صراع متقطع منخفض الحدة مثلما حدث فى العراق ١٩٩١م. وثانيها تسوية تفاوضية، فى حالة إذا قدّر الطرفان أن مصالحهما تخدمها المفاوضات أكثر من الاستمرار فى القتال.
وثالثها التصعيد العسكرى بتوسيع نطاق الضربات أو إدخال قوات برية وهو ما يعنى اعتماد الكونجرس مبالغ أكبر للحرب ورابعها سقوط النظام الإيرانى نتيجة انتفاضة شعبية، لكنه يفتح آفاقاً تنذر بفوضى قد تكون أخطر من النظام القائم وهى تصب فى مصلحة إسرائيل بقوة لكنها لا تخدم استقرار منطقة الشرق الأوسط ويهدد دول الجوار بالفوضى ونزوح اللاجئين.
بناء على هذا التقرير فمن الواضح أن هناك مواجهة قادمة بين الكونجرس الأمريكى والسلطة التنفيذية حول من يُمسك بزمام القرار العسكرى وتكلفته فقد خاضت الولايات المتحدة حرباً باهظة التكلفة تسببت فى فوضى اقتصادية بالعالم وتأثر الداخل الأمريكى دون أن تكون هناك رؤية استراتيجية واضحة لليوم التالى. ولا أحد يعرف حتى الآن ما تريده واشنطن فعلاً من إيران: هل تريد تغيير سلوكها؟ أم تغيير نظامها؟ أم تفكيك قدراتها النووية فحسب؟ الإجابة عن هذا الأسئلة هى التى ستُحدد ما إذا كانت حرب الأسابيع الستة ستُكتب فى التاريخ انتصاراً استراتيجياً للولايات المتحدة أم تحركاً خاطئاً ومغامرة مكلفة فى رمال الشرق الأوسط المتحركة.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







