مرّت ٣٨ يومًا على البشرية كأنها الدهر كله، حتى تدخل الوسطاء ليطفئوا نيران حرب أشعلها «نيرونات العصر» الذين يُطعمون غرورهم ويستلذّون بمقامراتهم. سماسرة الموت عاثوا فى الأرض خرابًا، وأبادوا الحرث والنسل، وحصدوا على أجساد آلاف القتلى الضحايا ومشاهد الدمار أرباحًا تتقافز على شاشات البورصات.
أقسى ما فى المشهد المأساوى أن يرتهن مصير البشرية بين الفناء أو البقاء فى أيدى السماسرة والمغامرين.
هدأ غبار الحرب، وبدأت تتكشف فاتورة ثقيلة، ليست لحرب عابرة، بل لزلزال اقتصادى وإنسانى ممتد. تشير تقديرات غربية إلى خسائر تجاوزت ٣٥٠ مليار دولار، مع تراجع حاد فى النمو، وانزلاق ملايين البشر إلى هوة العوز، وفقدان وظائف تحت ضغط انهيار سلاسل الإمداد.
فى منطقتنا العربية، تحكى الأرقام كارثة غير مسبوقة: خسائر الناتج المحلى بين ١٢٠ و١٩٤ مليار دولار (٦٪ من اقتصاد المنطقة)، ودفعت الحرب ٤ ملايين شخص إلى خط الفقر، وفُقدت ٣.٦ مليون وظيفة.
أمريكا أنفقت ٢٠ مليار دولار على عملياتها العسكرية، وإسرائيل طلبت ١٢.٤ مليارًا إضافية لمواجهة جبهات متعددة، بينما فى إيران يبدو المشهد الأكثر قتامة ووحشية آلاف القتلى وتدمير كامل للقوات الجوية والبحرية والبنى التحتية.
ولم تقتصر الضربة على الأرقام، بل طالت شرايين الطاقة، مع تضرر منشآت نفطية وإغلاق موانئ حيوية .
انخفضت حركة ناقلات النفط فى هرمز بنسبة ٩٠٪، وقفزت أسعار النفط إلى الضعف، وارتفعت أسعار الأسمدة ١٢٠-٢٠٠٪، مهددة الأمن الغذائى للعالم.
كشفت هذه الحرب، فى بعدها السياسي، حقيقة مفادها أن توحد العرب ضرورة ، ومن هنا، يعود الحديث الذى طرحته مصر منذ سنوات عن «جيش عربى مشترك»، لا كفكرة نظرية، بل كضرورة وجودية قد تمثل طوق النجاة الأخير لدول المنطقة فى مواجهة مصائر مهلكة.
اقتصاديًا، آن الأوان لتحرير اقتصادياتنا من تبعية النفط والغاز، ومن عباءة العملة الأجنبية. الحصن الحقيقى هو الإنتاج أولًا، ثم تعزيز العملات الوطنية، والاستثمار فى قطاعات حقيقية تصمد حين تنهار أسواق الطاقة.
ودون ذلك، فستصبح هذه المنطقة قريبًا نسيًا منسيًا، أو مجرد خريطة مطموسة الملامح يقرؤها التاريخ بألم، أو نافذة لا تطل على أى مستقبل لأننا لم نكن نستحق العيش فيه.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







