حرب إيران تعيد تشكيل الاقتصاد.. أوروبا تدفع الثمن وبكين وموسكو تجنيان المكاسب

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


تجاوزت تداعيات حرب إيران حدود ساحات القتال والسياسة لتصل مباشرة إلى جيوب المستهلكين في أوروبا، حيث بدأت موجة ارتفاع الأسعار في الطاقة والغذاء والخدمات اللوجستية تعيد تشكيل سلوك الإنفاق اليومي داخل القارة.

وبحسب تحليل صادر عن معهد أبحاث السوق "يوجوف" الدولي، فإن الحرب الجارية وما يصاحبها من اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية لم تعد مجرد أزمة جيوسياسية، بل تحولت إلى عامل ضغط اقتصادي مباشر يفرض على الأسر الأوروبية إعادة تنظيم أولوياتها الشرائية بشكل أكثر تحفظًا وانتقائية.

المشهد، وفق خبراء الاقتصاد، يعكس مرحلة ممتدة من التحول في أنماط الاستهلاك، بدأت مع أزمة المعيشة في 2022، لكنها اليوم تتعمق أكثر بفعل تصاعد الصراعات الدولية، وعلى رأسها المواجهة المرتبطة بإيران.

اقرأ أيضًا| بسبب تصعيد لبنان.. شكوك تحيط بمفاوضات أمريكا وإيران في باكستان


أوروبا: مستهلك تحت ضغط الحرب والتضخم

أفاد التحليل بأن ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والخدمات اللوجستية الناتج عن التوترات المرتبطة بالحرب في إيران أدى إلى انعكاسات مباشرة على الأسر الأوروبية، حيث بات المستهلكون أكثر ميلًا للتخطيط المسبق وتقليل الإنفاق غير الضروري، بحسب " الإذاعة الدولية لألمانيا دويتشه فيله".

وقال كبير المستشارين في المعهد "Stefan Lelmann" إن الأزمات والحروب، بما فيها النزاع مع إيران والحرب في أوكرانيا، تساهم في تغييرات هيكلية طويلة الأمد في سوق السلع الأوروبية.

وأوضح أن ارتفاع التكاليف الحالي يتقاطع مع بيئة تعاني أصلًا من تضخم مستمر، ما يجعل رد فعل المستهلكين قائمًا على “إدارة دقيقة للشراء” بدلًا من تقليص الإنفاق بشكل مفاجئ.

وكشف التحليل، الذي شمل أكثر من 8 آلاف شخص في 6 دول أوروبية خلال الفترة من 11 إلى 25 مارس، أن شريحة واسعة من المستهلكين تتوقع خفض إنفاقها خلال الفترة المقبلة، خصوصًا من سبق لهم إعادة ضبط ميزانياتهم.

وأشار التقرير إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة أصبح واقعًا يوميًا في عدد من الدول الأوروبية، بما فيها ألمانيا، حيث تواجه الأسر صعوبات متزايدة في تغطية نفقات أساسية مثل الطاقة والتنقل والغذاء.


إعادة توزيع النفوذ الأمريكي تخدم بكين

كشف تحليل سياسي أن الصين قد تكون من أبرز المستفيدين على المدى الطويل، نتيجة تحويل الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من قدراتها العسكرية إلى الشرق الأوسط لحماية الملاحة قرب مضيق هرمز.

وأوضح المحلل السياسي الأمريكي، يان بريمر، أن انشغال واشنطن في الشرق الأوسط يقلل من حضورها العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يمنح الصين هامشًا أوسع لتعزيز نفوذها.

وأضاف أن حلفاء الولايات المتحدة باتوا ينظرون إلى واشنطن باعتبارها أقل استقرارًا في التزاماتها، وهو ما يعزز صورة الصين كقوة أكثر ثباتًا نسبيًا.

وتشتري الصين أكثر من 80% من النفط الإيراني بأسعار مخفضة، كما عملت خلال الفترة الأخيرة على بناء احتياطيات استراتيجية ضخمة، ما يجعلها أكثر قدرة على امتصاص تقلبات السوق مقارنة بغيرها.


روسيا.. مكاسب اقتصادية وسياسية مزدوجة

أفاد التقرير بأن الحرب في إيران انعكست إيجابيًا على روسيا، حيث ساهم ارتفاع أسعار الطاقة في تعزيز الإيرادات العامة، في وقت تعاني فيه موسكو من ضغوط مالية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.

كما أشار التحليل إلى أن انشغال الغرب بالأزمة الإيرانية أدى إلى تراجع نسبي في التركيز على الحرب في أوكرانيا، ما منح روسيا مساحة دبلوماسية أوسع.

ونقل بريمر، أن نقل الولايات المتحدة جزءًا من قدراتها العسكرية إلى الخليج أدى إلى تقليل الإمدادات العسكرية المتاحة لأوكرانيا، ما ينعكس على مسار الحرب هناك.

ورغم المكاسب، أشار التقرير إلى أن روسيا قد تتضرر استراتيجيًا من إضعاف إيران، باعتبارها أحد أبرز حلفائها الإقليميين القلائل.


أوروبا.. فاتورة اقتصادية وسياسية مرتفعة

أوضح التقرير أن ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الشحن زاد من الضغوط التضخمية داخل أوروبا، في وقت تعاني فيه اقتصادات عدة من تباطؤ النمو.

وكشف أن بعض الحكومات الأوروبية رفضت دعم العمليات العسكرية الأمريكية أو السماح باستخدام أجوائها الجوية، ما يعكس تصاعد التباينات داخل المعسكر الغربي.

وردًا على ذلك، لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية تقليص التزام واشنطن داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وهو ما يثير مخاوف أوروبية متزايدة.

 

نجاح دبلوماسي للحكومة الباكستانية

أفاد التقرير بأن باكستان لعبت دورًا محوريًا في التوصل إلى وقف إطلاق النار، وتمكنت من التوسط بين واشنطن وطهران عبر قنوات اتصال غير معلنة استمرت لأسابيع.

ويُنظر إلى هذا الدور باعتباره إنجازًا سياسيًا مهمًا لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي عزز مكانة بلاده كوسيط إقليمي قادر على إدارة ملفات شديدة التعقيد.

في المقابل، ظل موقف الهند محايدًا، لكنه تأثر اقتصاديًا بشكل مباشر نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالصراع.

بينما كشفت التطورات أن حرب إيران باتتت عاملًا لتوزيع النفوذ الاقتصادي والسياسي عالميًا، حيث تخسر أوروبا استقرارها الاستهلاكي، بينما تعزز الصين وروسيا مكاسبهما الاستراتيجية، وتبرز باكستان كوسيط دبلوماسي جديد في معادلة معقدة تتجاوز حدود الإقليم.

اقرأ أيضًا| ترامب: إيران تقوم بعمل سيئ للغاية فيما يتعلق بالسماح بمرور النفط عبر هرمز