عكس التيار

القوة لا تصنع الحق!!!

رضا هلال
رضا هلال


ليس أخطر على العالم من فكرةٍ تُفرض باعتبارها «حقيقة مطلقة» بينما هى فى جوهرها مجرد أداة للهيمنة. ومن بين هذه الأفكار التى تحاول الولايات المتحدة الأمريكية ترسيخها عالميًا، تبرز فرضية مفادها أن القوة تصنع الحق. هذه الفرضية، فى حقيقتها، ليست فقط مضللة، بل تتعارض مع أبسط مبادئ العدالة الإنسانية. فالحق لا يُخلق بالقوة، بل قد يحتاج إلى قوة تحميه وتثبّت أركانه. أما أن تتحول القوة إلى مصدر للحق، فذلك انحراف خطير فى ميزان القيم. التاريخ الحديث يقدم شواهد متعددة على هذا النهج؛ من العراق إلى فنزويلا، وقبلها فيتنام، وأفغانستان، وصولًا إلى التصعيد المستمر تجاه إيران. فى كل مرة، تُطرح رواية واحدة؛ «خطر يهدد العالم«، «أسلحة نووية»، «دولة إرهابية». ثم يتبين لاحقًا كذب هذه المزاعم.
اليوم، يتكرر المشهد مع إيران، حيث تسعى الولايات المتحدة ومعها إسرائيل إلى تقديمها باعتبارها مصدر التهديد الأول فى المنطقة والعالم. وفى المقابل، يُلاحظ أن الرواية الأخرى ـ سواء الإيرانية أو من حلفائها ـ لا تحظى بنفس الحضور أو التناول الإعلامى، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول توازن الخطاب العالمى ومن يملك أدوات تشكيله. اللافت أن جزءًا من هذا التأثير لا يأتى فقط من القوة العسكرية أو السياسية، بل من الهيمنة الإعلامية التى تسهم فى توجيه الرأى العام العالمى، وتكريس سردية بعينها على حساب أخرى.
غير أن الإشكالية الأعمق تكمن فى النتائج... حين يُسلَّم بأن «القوة تصنع الحق»، يصبح من السهل تبرير الحروب، وتجاوز القوانين الدولية، وإعادة تشكيل العالم وفق مصالح الأقوى، لا وفق مبادئ العدالة.
لقد دفعت الشعوب ـ ولا تزال ـ ثمن هذا المنطق، من استقرارها وأمنها ومواردها، بل ومن وعيها أيضًا.. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل فى العقول. إن مواجهة هذه الفرضية لا تعنى الانحياز لطرف ضد آخر، بقدر ما تعنى الدفاع عن مبدأ أصيل؛ أن الحق يُقاس بالعدل، لا بالقوة، وبالقيم، لا بالمصالح.
ومن ثم، فإن الصمت لم يعد حيادًا… بل تواطؤ غير مباشر مع هذا الطغيان.
لذلك، فإن النداء اليوم يجب أن يصل إلى ضمير العالم كله... إلى الشعوب، والحكومات، والمؤسسات، والنخب الفكرية والإعلامية…
أن يراجعوا هذا المسار، ويعيدوا النظر فى «الحقائق الجاهزة» التى تُفرض عليهم، ويرفضوا أن تُدار عقولهم كما تُدار المصالح. وأن يرفعوا لافتة واحدة واضحة فى وجه هذا الطغيان؛...
لا…
لا لتزييف الحقيقة، لا لاحتكار الرواية، لأن العالم إن لم يقلها الآن… فلن يكون أمامه لاحقًا ما يقوله.