فى السنوات الأخيرة، لم يعد الحضور المصرى فى البحث العلمى مجرد مشاركات متفرقة، بل تحول إلى قوة فاعلة قادرة على إنتاج معرفة جديدة تنافس عالميًا وتعيد صياغة مفاهيم راسخة فى كبرى مجالات العلوم، ومع تزايد دعم المؤسسات الأكاديمية وتطور أدوات البحث، نجح العلماء المصريون فى اقتحام مجالات دقيقة مثل: علم الحفريات، مقدمين إسهاماتٍ حقيقية تنشر فى أعرق المجلات الدولية، وعلى رأسها: مجلة Science، لتؤكد أن مصر لم تعد فقط مهدًا للتاريخ القديم، بل شريك أساسى فى كتابة تاريخ الحياة على الأرض.
اقرأ أيضًا| قيادة الجرارات وروث الحيوانات والمبيدات.. مهن زراعية يمنع عمل الأطفال بها
فى هذا السياق، يبرز إنجاز فريق مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية كواحد من أهم الشواهد على هذا التطور، حيث كشفوا عن نوع جديد من أسلاف القردة العليا يحمل اسم (مصر يبثيكس موغراينسيس)، عاش قبل نحو 18 مليون سنة، وهو اكتشاف لا يضيف نوعًا جديدًا فقط، بل يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويؤكد أن شمال إفريقيا وتحديدًا مصر كان موطنًا أصيلاً لنشأتها، وليس مجرد ممر لانتقالها كما كان يُعتقد.
هذا الاكتشاف الذى استغرق العمل عليه نحو خمس سنوات بقيادة د. شروق الأشقر، اعتمد على أدلة دقيقة تمثلت فى الأسنان والفك، والتى شكلت مفتاح فهم هذا الكائن، إذ كشفت الحفرية عن نمط غذائى مرن وقدرة مُبكرة على التكيف، وهى سمات أساسية فى نجاح القردة العليا وانتشارها لاحقًا، كما دعمت التحليلات التطورية المتقدمة التى جمعت بين البيانات الجزيئية والخصائص التشريحية مكانة هذا النوع داخل مرحلة التطور بدرجة عالية من الدقة، بما يمثل تحديًا للنظريات التقليدية التى حصرت نشأة القردة العليا فى شرق إفريقيا.
ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة أو حالة منفردة، بل يأتى ضمن سلسلة من الاكتشافات النوعية للفريق نفسه، من بينها: دراسة مهمة نُشرت فى «مجلة Evolution» حول تطور أدمغة الحيتان القديمة، حيث كشفت هذه الدراسة عن مرحلة انتقالية حاسمة فى تاريخ الثدييات المائية، من خلال تحليل نوعين من الحيتان البرمائية المنقرضة هما: Protocetus atavus وAegyptocetus tarfa، وأظهرت النتائج أن تضخم الدماغ بدأ مبكراً قبل الانتقال الكامل إلى الحياة البحرية، مع الاحتفاظ بحاسة الشم، مما يعكس تعقيدًا تطوريًا أكبر مما كان يُعتقد.
وبينما يعيد الاكتشاف الأول كتابة تاريخ القردة العليا على اليابسة، يفتح الثانى نافذة لفهم التحولات الكبرى التى شهدتها الكائنات عند انتقالها إلى البحر، ليؤكدا معًا أن الأراضى المصرية من صحرائها الغربية إلى جبالها الشرقية لا تزال تحتفظ بأسرار حاسمة لفهم تطور الحياة.
وهكذا، تتكامل هذه الاكتشافات لتقدم صورة أوسع عن علماء مصريين يعملون بأدواتٍ حديثة، ورؤية علمية متقدمة، وقدرة على المنافسة العالمية، يسهمون فى إعادة رسم خرائط التطور الكبرى، وهى رسالة واضحة بأن الاستثمار فى البحث العلمى لم يعد رفاهية، بل هو الطريق الحقيقى لوضع مصر فى قلب الاكتشافات التى تعيد تعريف تاريخ الكائنات الحية على كوكب الأرض.
الطريق إلى «مصر يبثيكس»
أما عن الاكتشاف الذى غير تاريخ أسلاف القردة فهو إنجاز بأيدى فريق مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، ونُشر فى «مجلة Science» العالمية كأول بحث مصرى يُنشر بها، حيث كشف عن نوع جديد من أسلاف القردة العليا عُثر عليه فى صحراء مصر الغربية، يحمل اسم مصر يبثيكس موغراينسيس، الذى عاش قبل نحو 18 مليون سنة خلال العصر الميوسينى المبكر، ويُعد أول دليل مُؤكد على وجود أسلاف القردة العليا فى شمال إفريقيا، بما يؤكد أن المنطقة كانت موطنًا رئيسيًا لتطورها وليس مجرد ممر جغرافى.
من هنا حرص الفريق البحثى على أن تعكس التسمية الهوية المصرية؛ إذ يجمع اسم «مصر يبثيكس» بين «مصر» والكلمة اليونانية «بيثيكوس» بمعنى «قرد»، بينما يشير «موغراينسيس» إلى وادى المغرة، موقع الاكتشاف.
الأسنان كلمة السر
الدكتورة شروق الأشقر، المؤلف الرئيسى للدراسة، تروى لجريدة «أخبار اليوم» أن العمل على الدراسة استغرق حوالى 5 سنوات، بدأ العمل بها خلال عام 2020، حيث عمل الباحثون على المشروع وجمع البيانات. وفى عام 2024 تمكنوا من الحصول على العينات، ثم فى عام 2026 نجحوا فى نشر نتائج البحث، وكان أول ما لفت الانتباه فى الحفريات هو شكل الأسنان الغريب، حيث بدت مختلفة تمامًا عن أى أسنان تم اكتشافها من قبل، وتميزت بوجود تجاعيد واضحة وشديدة.
وتضيف: «على الرغم من أن الحفريات لم تكن مكتملة واقتصرت على الأسنان والفك فقط، فإن الأسنان تُعد من أهم الأدلة فى دراسة الكائنات، لأنها تشبه بصمة الإصبع فى تميزها، وتمكن العلماء من التفريق بين الأنواع المختلفة، كما توفر معلوماتٍ دقيقة وكثيرة قد لا تتوافر فى أجزاء أخرى من الجسم».
وتشير إلى أن «الحفرية رغم اقتصارها على أجزاء من الفك والأسنان تحمل دلالاتٍ علمية مهمة حيث تكشف عن نظام غذائى مرن يعتمد على الفواكه مع القدرة على معالجة الأغذية الأكثر صلابة، بما يعكس قدرة مبكرة على التكيف مع البيئات المتغيرة، وهى من السمات الأساسية فى نجاح القردة العليا وانتشارها لاحقًا».
شجرة التطور
وتمضى الدكتورة شروق الأشقر فى حديثها فتقول: إن الدراسة اعتمدت على تحليل تطورى متكامل جمع بين البيانات الجزيئية المُستمدة من الأنواع الحديثة، والخصائص التشريحية للحفريات؛ حيث شمل نحو 60 ألف قاعدة وراثية من 67 جينًا نوويًا، و10 جينات ميتوكوندرية، إلى جانب 268 صفة تشريحية للقردة الحديثة والمنقرضة، مما أتاح بناء شجرة تطورية دقيقة وتحديد الموقع التطورى لهذا النوع الجديد بدرجة عالية من الدقة. وتتابع: «فريق الباحثين المشتركين فى الاكتشاف يضم أيضًا: د. هشام سلام، ود. سناء السيد، ود. عبد الله جوهر، ود. بلال سالم، ود. حسام السقا، ود. محمد أحمد».
وفى هذا السياق، يوضح د. هشام سلام قائد فريق مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية «سلام لاب»، أن «الفريق استمر لأكثر من خمس سنوات فى البحث الميدانى عن حفريات القردة العليا بمنطقة «المغرة»، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف جاء تتويجًا لجهود طويلة من العمل الدءوب، وأن هذا الإنجاز يمثل رسالة قوية إلى الشباب المصرى بأن المنافسة على أعلى المنصات العلمية العالمية مُمكنة من داخل مصر، وأن الاستثمار فى البحث العلمى قادر على وضع المؤسسات المصرية فى قلب الاكتشافات التى تعيد كتابة تاريخ الحياة على الأرض».
وينبه البروفيسور إيريك سيفرت، عالم الحفريات بجامعة جنوب كاليفورنيا والمؤلف المشارك فى الدراسة، إلى أن نتائج التحليل تمثل تحديًا قويًا للنظريات التقليدية التى كانت تحصر نشأة القردة العليا فى شرق إفريقيا، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف يوسع النطاق الجغرافى ليشمل: شمال إفريقيا والشرق الأوسط كمناطق محورية فى هذا التطور.
نظرية داروين
وفى توضيح علمى لنظرية تشارلز داروين حول التطور، أكدت الدكتورة شروق الأشقر أن الإنسان والقردة العليا الحالية مثل: الشمبانزى والغوريلا ينحدرون من سلف مشترك عاش قبل ملايين السنين، وليس أحدهم تطور مباشرة من الآخر.
وأشارت إلى أن العلاقة بين الإنسان وهذه الكائنات تُفهم من خلال «شجرة تطور» مُعقدة ومتشعبة، تضم فروعًا متعددة، يمثل الإنسان أحدها، وأضافت أن التطور لا يعمل بخط مستقيم أو سلسلة يتحول فيها كائن إلى آخر، بل هو عملية تفرع مستمرة، تنشأ عنها أنواع مختلفة من أصل واحد، يستمر كل منها فى مساره الخاص، لذلك لا تتحول القردة الحالية إلى بشر، لأنها ببساطة تسير فى خط تطورى مستقل منذ انفصالها عن السلف المشترك.
تطور الحيتان
وكان لهذا الفريق البحثى اكتشاف علمى آخر مهم، أعاد رسم خريطة تطور الأدمغة لدى الثدييات المائية، وكشف عن مرحلة مفصلية فى تطور الحيتان ويعود تاريخه إلى يوليو 2025. حينها نُشرت نتائج الدراسة فى مجلة «Evolution» المرموقة، وهى من أعرق الدوريات المتخصصة فى علوم التطور.
وتوصلت الدراسة إلى أن الحيتان القديمة بدأت فى تكبير أدمغتها قبل أن تترك اليابسة بالكامل، بينما احتفظت فى الوقت ذاته بحاسة الشم التى ورثتها من أسلافها البرية. وتناولت الدراسة تحليلًا دقيقًا لتجويف الدماغ فى نوعين من الحيتان البرمائية المنقرضة المُكتشفة فى مصر، وهما: «Protocetus atavus» الذى عاش قبل نحو 43 مليون عام، و«Aegyptocetus tarfa» الذى عاش قبل نحو 41 مليون عام، وينتمى كلاهما إلى عائلة «البروتوسيتيدات»، وهى مجموعة من الحيتان المنقرضة التى كانت تحتفظ بأطراف رباعية وتمارس نمط حياة برمائيًّا، وتمثل مرحلة انتقالية فريدة بين الحياة على اليابسة والتكيف الكامل مع البيئة البحرية.
وقد تمكن الفريق العلمى من إعادة بناء نموذج رقمى ثلاثى الأبعاد لتجويف الدماغ والجهاز الشمى باستخدام تقنيات التصوير المقطعى المحوسب عالى الدقة، مما أتاح لأول مرة رؤية واضحة لكيفية تطور البنية العصبية والحسية فى هذه الحيتان خلال انتقالها من الحياة البرية إلى البيئة البحرية، كما قارن الفريق نتائجه بقاعدة بيانات ضخمة تضم عشرات الثدييات البرية والبحرية الحديثة والمنقرضة، لوضع هذه الأنواع فى سياق التطور العام للثدييات.
واكُتشفت حفريات حوت «Protocetus» بجبل المقطم بالقاهرة فى نهاية القرن التاسع عشر، بينما اكتُشف حوت «Aegyptocetus» فى وادى طرفة بالصحراء الشرقية عام 2011. وقد أظهرت النتائج أن «Protocetus atavus» امتلك دماغًا كبيرًا نسبيًا مقارنةً بالحيتان الأخرى التى عاصرته، مما يشير إلى أن تضخم الدماغ (Encephalization) بدأ مبكرًا قبل التحول الكامل إلى الحياة البحرية، ورغم اختلاف بنية دماغه عن الحيتان الحديثة، فإن حجمه الكبير نسبةً إلى الجسم يُعد مؤشرًا على تطور مبكر فى القدرات الإدراكية، أسهم لاحقًا فى سيادة الحيتان بالبيئة البحرية.
«الصحة» تعلن استفادة 18 مليون مواطن من مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية
انتهاء مناسك الحج رسميًا اليوم
بتكلفة تخطت ٢ مليار جنيه| «المجمع الحكومى الذكى» نقلة حضارية بالوادى الجديد







