«نيويورك تايمز» توجه تحذيرًا إلى ترامب: لا ترتكب خطأ تشرشل القاتل

ونستون تشرشل والرئيس الأمريكي دونالد ترامب
ونستون تشرشل والرئيس الأمريكي دونالد ترامب


تدق صحيفة «نيويورك تايمز» ناقوس الخطر، محذّرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن مسار الحرب الأمريكية على إيران يقترب من منعطف بالغ الحساسية، إذ لم يعد النجاح العسكري وحده كافيًا، بل بات مرهونًا بقدرة واشنطن على تجنب الانزلاق إلى خطأ استراتيجي تاريخي قد يعيد إنتاج كوارث الماضي في صورة جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة.

 

وتشير الصحيفة إلى أن إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وضع الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب أمام اختبار غير مسبوق، فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى ساحة صراع مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد العالمي.

 

وتؤكد أن أي محاولة لفتح المضيق بالقوة قد تحمل في طياتها مخاطر جسيمة، ليس فقط على مستوى الخسائر العسكرية، ولكن أيضًا على استقرار الأسواق العالمية، حيث قد يؤدي التصعيد إلى اضطرابات واسعة في أسعار الطاقة، ومن ثم موجات تضخم تضرب الاقتصاد الدولي بأكمله.

 

في هذا السياق، تستدعي «نيويورك تايمز» درسًا تاريخيًا بالغ الدلالة، يعود إلى الحرب العالمية الأولى، حين راهنت بريطانيا وفرنسا على حسم سريع عبر السيطرة على مضيق الدردنيل، تحت إشراف ونستون تشرشل، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير البحرية.

وقد بدا الأمر في حينه كعملية عسكرية محسوبة، تستهدف فتح ممر استراتيجي وإخراج الدولة العثمانية من الحرب.

 

غير أن ما جرى على أرض الواقع كان مختلفًا تمامًا، حيث تحولت حملة «جاليبولي» إلى واحدة من أكثر الكوارث دموية في تاريخ الحروب الحديثة، بعدما واجهت القوات المتحالفة مقاومة شرسة، انتهت بسقوط أكثر من 130 ألف قتيل، وأجبرت بريطانيا على الانسحاب، في هزيمة قاسية أطاحت بمستقبل تشرشل السياسي في تلك المرحلة.

 

وتوضح الصحيفة أن هذه التجربة تكشف حقيقة جوهرية، مفادها أن الممرات المائية الاستراتيجية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد نقاط اختناق جغرافية يمكن السيطرة عليها بالقوة، بل هي في جوهرها مساحات سيادية معقدة، تختبر توازنات القوى والإرادات السياسية للدول.

 

وتحذر الصحيفة الأمريكية، دونالد ترامب، من أن تكرار هذا السيناريو في مضيق هرمز قد يكون أكثر تعقيدًا، نظرًا لاختلاف طبيعة الصراع، حيث تمتلك إيران أدوات فعالة لخوض حرب غير متكافئة، تمكنها من إلحاق خسائر كبيرة حتى بأقوى الجيوش، عبر استخدام الألغام البحرية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، إلى جانب تكتيكات الزوارق السريعة.

وترى الصحيفة أن الرهان على الحسم العسكري السريع ينطوي على قدر كبير من «الوهم الاستراتيجي»، خاصة في بيئة جغرافية معقدة مثل الخليج العربي، حيث يمكن لأي خطأ في التقدير أن يؤدي إلى تصعيد واسع النطاق، قد يخرج عن السيطرة.

 

وفي المقابل، تطرح «نيويورك تايمز» مسارًا بديلًا يقوم على الاستفادة من دروس التاريخ، وتحديدًا تجربة «اتفاقية مونترو» الموقعة عام 1936، والتي نجحت في تنظيم المرور عبر المضائق التركية، عبر تحقيق توازن دقيق بين حرية الملاحة وحقوق السيادة.

 

وتوضح أن هذه الاتفاقية مثلت نموذجًا ناجحًا لإدارة الممرات الاستراتيجية، حيث ضمنت حرية مرور السفن التجارية في أوقات السلم، مع منح الدولة المشرفة على المضيق صلاحيات أوسع في أوقات الحرب، بما يراعي مخاوفها الأمنية.

 

وترى الصحيفة أن هذا النموذج، رغم اختلاف السياق، يمكن أن يشكل أساسًا لحل تفاوضي في مضيق هرمز، يقوم على وضع قواعد واضحة تضمن استمرار تدفق التجارة، وفي الوقت نفسه تعترف بالمصالح الأمنية للدول المطلة على المضيق.

 

وتقترح في هذا الإطار حزمة من الإجراءات، تشمل حظر استهداف السفن التجارية، ومنع زرع الألغام في ممرات الملاحة، ووضع آليات لتفادي الاحتكاك بين القوات البحرية، إلى جانب إنشاء نظام رقابة دولي يضمن الالتزام بهذه القواعد.

 

كما تشير الصحيفة الأمريكية إلى إمكانية إشراك أطراف إقليمية ودولية في هذا الإطار، مثل سلطنة عُمان أو الأمم المتحدة أو مجموعة من دول الخليج، بما يضفي على الاتفاق طابعًا متعدد الأطراف يعزز فرص نجاحه.

 

وتشدد الصحيفة على أن أي تسوية من هذا النوع يجب أن تكون جزءًا من رؤية أوسع لوقف إطلاق النار، تأخذ في الاعتبار التوازنات الأمنية في المنطقة، وتضمن عدم تحول المضيق إلى أداة ضغط أو ابتزاز سياسي.

 

وتلفت إلى أن تجاهل هذه المقاربة، واعتماد دونالد ترامب على الخيار العسكري وحده، قد يقوده إلى تكرار أخطاء الماضي، حيث تتحول العمليات المحدودة إلى حروب طويلة ومكلفة، تستنزف الموارد وتزعزع الاستقرار.

 

وتضيف أن الدرس الأهم من تجربة «جاليبولي» لا يتعلق فقط بالخسائر البشرية، بل أيضًا بسوء تقدير تعقيدات الجغرافيا السياسية، والاعتقاد بإمكانية فرض الإرادة بالقوة في مناطق تتشابك فيها المصالح الدولية.

 

وتحذر من أن مضيق هرمز، بحكم موقعه وأهميته، يمثل نقطة اشتباك محتملة بين قوى متعددة، ما يجعل أي تصعيد فيه مرشحًا للتحول إلى أزمة دولية واسعة، تتجاوز حدود الصراع المباشر بين واشنطن وطهران.

 

وفي هذا الإطار، تؤكد أن الاستقرار في الخليج لا يمكن تحقيقه عبر تجاهل دور إيران أو محاولة إقصائها بالكامل، بل من خلال صياغة ترتيبات أمنية تأخذ في الحسبان واقع توازن القوى في المنطقة.

 

وتختتم «نيويورك تايمز» تحذيرها برسالة واضحة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مفادها أن تجنب «خطأ تشرشل القاتل» لا يتطلب فقط الحذر العسكري، بل يستدعي رؤية سياسية أعمق، قادرة على تحويل الصراع من مواجهة مفتوحة إلى تسوية قابلة للاستمرار.

 

وتؤكد أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في القدرة على كسب المعارك، بل في تجنب الحروب التي لا يمكن إنهاؤها، مشددة على أن الحكمة في إدارة الأزمات قد تكون في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا من القوة في حسمها.