أما بعد

جرس الخطر

محمد صلاح
محمد صلاح


فى ظل التحديات الأمنية التى تواجهها الدولة المصرية، تبرز بين الحين والآخر قضايا تكشف خبايا التنظيمات الإرهابية، ومن بين هذه القضايا جاءت اعترافات الإرهابى عبد الونيس، التى أثارت اهتماماً واسعاً لما حملته من تفاصيل صادمة حول مسارات الانضمام إلى تلك التنظيمات، وأساليب التخطيط والتنفيذ، فقد اعتمدت هذه الجماعات على استغلال الدين وتفسيره تفسيراً مغلوطاً لتبرير العنف والقتل، خاصةً بين الشباب الذين يعانون من فراغ فكرى أو إحباط اجتماعى؛ وتكشف الاعترافات كذلك عن الدور المحورى لوسائل التواصل الاجتماعى فى عمليات التجنيد، حيث يُستدرج الأفراد عبر محتوى يبدو فى ظاهره دينياً أو إصلاحياً، لكنه يحمل فى طياته دعوات ضمنية للعنف والتكفير، ومع مرور الوقت، يتحول المتلقى من مجرد متابع إلى عنصر فاعل داخل شبكة إرهابية، يُوجَّه تدريجياً لتنفيذ مخططات تخريبية تستهدف استقرار الدولة وأمن المواطنين.. ومن أخطر ما ورد فى هذه الاعترافات حجمُ التدريب والتخطيط الذى تخضع له العناصر الإرهابية؛ إذ يتم إعدادهم نفسياً وعملياً لتنفيذ عمليات نوعية، مع التركيز على استهداف مؤسسات الدولة الحيوية وبثّ الرعب فى نفوس المواطنين، كما كشفت التحقيقات عن وجود دعم لوجستى وتمويلى من جهات خارجية، مما يؤكد أن الإرهاب لم يعد ظاهرة محلية، بل بات جزءًا من شبكة دولية معقدة.

إن هذه الاعترافات تضعنا أمام مسئولية مجتمعية شاملة، لا تقتصر على الأجهزة الأمنية فحسب، بل تمتد إلى الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، والمؤسسات الدينية، فمواجهة الفكر المتطرف تتطلب بناء وعى حقيقى يقوم على الفهم الصحيح للدين، وتعزيز قيم الانتماء والاعتدال، وتحصين الشباب ضد محاولات الاستقطاب، فتلك الاعترافات ليست مجرد واقعة أمنية عابرة، بل هى جرس إنذار يدعو إلى التكاتف لمواجهة خطر الإرهاب من جذوره، فالمعركة الحقيقية لا تقتصر على ملاحقة العناصر الإرهابية، بل تمتد إلى القضاء على البيئة التى تسمح بانتشار هذا الفكر، وبناء مجتمع واعٍ قادر على حماية نفسه من الانزلاق نحو التطرف.