ليس كل ما يراه الأمريكيون صوابًا، فهم - فى أكثر الأحيان - ينظرون بعين مصالحهم، ولا يزنون الأمور بميزان العدل، بل بميزان القوة.
وحين تختلط المصالح بالنفوذ، تُصبح الحقيقة قابلة للتأويل، او تغيب تماما عن المشهد ويحل محلها ادعاءات كاذبة مضللة، ويغدو الإنصاف ترفًا لا مكان له فى حسابات السياسة، ويسيطر الغرور الكاذب.
المشكلة لا تكمن فقط فى اختلاف الرؤى بين الدول، فهذا أمر طبيعى فى عالم تتشابك فيه المصالح، لكن الخطر الحقيقى يظهر حين تتحول هذه الرؤية إلى معيار يُفرض على الآخرين، وكأن العالم لا يُرى إلا من زاوية واحدة، ولا يُفهم إلا بلغة واحدة، ولا يُحكم عليه إلا وفق مقياس واحد.
لقد اعتادت الولايات المتحدة، بحكم موقعها كقوة كبرى، أن تقدم نفسها بوصفها حارسة القيم العالمية ... الديمقراطية، حقوق الإنسان، وحرية الشعوب. غير أن التجربة تكشف - مرارًا - عن فجوة واسعة بين الخطاب والممارسة، فقد أثبت الواقع غياب كل هذه الادعاءات، وأنها غطاء وهمى خادع لأهداف خاصة جدا تحقق بها أهدافها ومصالحها.
فما يُعدّ «حقًا» فى سياق، قد يتحول إلى «خطر» فى سياق آخر، وما يُدان فى بلد، يُتغاضى عنه فى بلد آخر، ليس وفقًا لمعيار ثابت، بل تبعًا لحسابات المصالح والتحالفات.
وهنا تتجلى الإشكالية الكبرى، حين تُختزل الحقيقة فى الرؤية الأمريكية، ويُختزل العدل فى الموقف الأمريكي، تصبح السياسة أقرب إلى مرآة تعكس الذات، لا نافذة تُطل على العالم.
وفى هذه الحالة، لا يعود الآخر شريكًا فى صياغة المشهد، بل مجرد متلقٍ لقرارات تُتخذ فى مكان آخر، وفق اعتبارات قد لا تمت لواقعه بصلة.. ولعل أخطر ما فى هذه الرؤية أنها لا تكتفى بالانحياز، بل تسعى إلى تبريره وإضفاء الشرعية عليه.. وأحيانًا، لا تكون هذه الرؤية مجرد تعبير عن مصلحة، بل عن علاقة خاصة مع أطراف بعينها، تُرى بعينٍ مدللة، تُغفر لها الأخطاء، وتُبرر لها التجاوزات، بل وتُمنح غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا مهما بلغت فداحتها. وهنا، لا يعود الحديث عن انحياز عابر، بل عن اختلال عميق فى ميزان العدالة الدولية.
إن العالم اليوم فى حاجة إلى رؤية أكثر توازنًا، لا تُقصي، ولا تُصادر حق الشعوب فى تعريف مصالحها، ولا تفرض نموذجًا واحدًا بوصفه الطريق الوحيد إلى «الصواب».
وفى النهاية، تبقى الحقيقة أكبر من أى قوة، وأبقى من أى نفوذ… لكنها لا تظهر إلا لمن يملك شجاعة النظر إليها بعينٍ عادلة، لا بعينٍ لا ترى إلا نفسها.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







