قد يكون ما تم تسريبه للصحافة الأمريكية من أن الرئيس الأمريكى ترامب أبلغ مساعديه بالفعل أنه يريد وضع نهاية سريعة للحرب على إيران هو الأقرب للصحة. كل العوامل السياسية والاقتصادية تدفع فى هذا الاتجاه، ومع ذلك فينبغى أن نضع فى الحسبان أن قرار الحرب قد اتُخذ رغم تحذير أجهزة المخابرات الأمريكية وتأكيد المؤسسة العسكرية أن «الانتصار غير مُؤكد» ورغم التقدم الكبير فى المفاوضات مع إيران فى هذا الوقت.
وكان المبرر هو أن إسرائيل قررت الحرب ولن نتركها وحدها كما قال وزير الخارجية الأمريكية «روبيو» بعد ذلك.
الآن وبعد شهر من الحرب التى وضعت العالم على أبواب أزمة من أخطر الأزمات، التى واجهها منذ نصف قرن، يصبح البحث عن «خروج آمن»، من هذه الحرب قبل أن تتحول إلى مصدر استنزاف جديد وممتد أمرًا أساسيًا بالنسبة للقيادة الأمريكية.. ويأتى حديث التفاوض بديلًا للتصعيد رغم العقبات الكثيرة وافتقاد الثقة بين أطراف الصراع والخشية من تكرار الخطأ فى الحسابات مرة أخرى.
الضغوط الداخلية والخارجية فى أمريكا تضغط فى اتجاه إنهاء الحرب، وجهود الوسطاء تتضاعف لجسر المواقف المتباعدة. ومع ذلك تبقى كل الاحتمالات واردة، ويستمر القتال على كل الجبهات ومع حديث ترامب عن نهاية وشيكة للحرب تتواصل التكهنات، عن عمليات برية لقوات «المارينز» وتتواصل التهديدات الإيرانية بتصعيد الرد عليها.
ومع ذلك يبدو أن الرئيس ترامب يدرك الآن أن المزيد من التورط فى الحرب يعنى الدخول فى استنزاف طويل فى حرب لم يستطع حتى الآن أن يقنع ثلثى الأمريكيين على الأقل بأنها «حربهم».. ومع ملاحظة أن الرئيس ترامب بدأ ينخرط فى معركة الانتخابات الحاسمة لمجلس الكونجرس وبدأ جولاته الدعائية فى الولايات، حيث تحاصره الأسئلة عن الحرب، وما سببته من ارتفاع فى الأسعار وتهديد للاقتصاد.
يبدو أن المسار نحو إنهاء الحرب فى أسرع وقت أمر ضرورى ولو لتخفيف خسائر الجمهوريين المُحتملة فى انتخابات يعرف ترامب أنها قد تحوله إلى رئيس بلا سلطات حقيقية إذا خسر الأغلبية فى مجلس النواب والشيوخ معًا.
ومع ذلك يبدو أن هناك حرصًا على استخدام كل أوراق الضغط لخدمة القرار الأمريكى، ومنها ما نشره موقع «أكسيوس» وثيق الصلة بدوائر الاستخبارات الأمريكية عن استعداد «البنتاجون» لما وصفه بالضربة الأخيرة فى الحرب على إيران، وأنها تدرس عدة سيناريوهات لهذه الضربة تتضمن تدخلًا بريًا فى العمق الإيرانى بهدف السيطرة على مواقع اليورانيوم المُخصب مع احتمال لضرب منشآت الطاقة الإيرانية.. وأن ذلك كله مرتبط بنتائج الاتصالات الدائرة، وما إذا كانت ستؤدى إلى اتفاق.
لا شىء مستبعدًا بالطبع، ولكن مثل هذه السيناريوهات هى بالضبط ما حذر منه قادة المخابرات والمؤسسة العسكرية فى واشنطن قبل اندلاع الحرب، وما قال ترامب نفسه إنه لا يريده، وهو الانخراط فى حرب طويلة لن تكون نهايتها أفضل من حروب أمريكا الأخرى الخاسرة فى المنطقة وآخرها فى أفغانستان. والأرجح أن يكون نشر هذه «السيناريوهات» جزءًا من التفاوض نفسه، أو من الضغط المتواصل من أجل موقف إيرانى أكثر مرونة.. علمًا بأن ترامب نفسه كان قد أعلن أنه قد حصل بالفعل من المفاوضين الإيرانيين على ما اعتبره «جائزة كبرى» تتعلق بالنفط والغاز ومضيق هرمز.
هذا يعنى أن التفاوض -وليس التصعيد- هو ما يأتى بالجوائز الكبرى كما يسميها ترامب. وأن الباب كان مفتوحًا من قبل أن تندلع هذه الحرب التى أشعلتها إسرائيل، وأن المفاوضات قبل الحرب قد شهدت توافقًا حول مصالح مشتركة وتعاونًا فى مجالات البترول والمعادن وغيرها، ولو لم يتم الانقلاب على ذلك لما شهد العالم هذه الحرب، التى يعانى من آثارها العالم كله، والتى لا سبيل لإيقافها إلا بالتفاوض الذى يضمن لأطراف الصراع «الخروج الآمن» ويضمن للمنطقة إطفاء النيران المشتعلة التى تهدد بإحراق كل شىء، ويحمى العالم من أزمة اقتصادية هى الأسوأ منذ نصف قرن على الأقل.
الطريق إلى التفاوض قد تعترضه الكثير من العقبات لكنه لا بديل إلا الحروب المدمرة، التى تجلب الكثير من الكوارث، ثم تنتهى إلى التفاوض مرة أخرى بعد خراب «مالطة» أو مأساة غزة، أو تدمير الخليج.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







