القدر هو من وضع الكاتب الكبير مصطفى أمين فى طريق الفنان المغمور وقتها عبد الحليم شبانة، لم يكن أحد يعرف عبد الحليم لكن مصطفى أمين آمن بموهبته وتوقع له مكانة كبيرة فى عالم الغناء، ومن هنا قرر أن يحتضنه بالكتابة عنه والترويج لكل فيلم يمثله وكل أغنية جديدة يطرحها وساهمت كل مطبوعات «أخبار اليوم» فى الترويج لحليم وتأكيد شهرته، ويبين الكاتب الكبير فى فصل بعنوان «زيارة لقلب عبد الحليم حافظ» فى كتاب «مسائل شخصية» كيف تعرف على عبد الحليم فيقول: «دخل مكتبى فى أخبار اليوم شاب صغير رقيق متواضع وقال أنا عبد الحليم حافظ، كان حجمه الصغير يخفى عمره، وقال لى «جئت لأطلب مشورتك.. ماذا أفعل لأنجح؟»، فقلت «لا تقلد أحدًا، كن عبد الحليم حافظ فقط فكل من قلدوا عبد الوهاب ماتوا»، وتصورت أننى قدمت لعبد الحليم أعظم نصيحة وإذا بى اكتشف أننى قدمت له مصيبة، فحين تعاقد معه المتعهد صديق أحمد على أن يغنى ثلاثين ليلة بالمسرح القومى بالإسكندرية، وقف يغنى «يا حلو يا اسمر، وصافينى مرة» وإذا بالجمهور يصيح طالبًا أغانى عبد الوهاب، ورموه بالبيض والطماطم، ونزل عبد الحليم من على المسرح وهو يبكى، لكنه لم ييأس أبدًا وظل يقاوم ويقاوم ويحاول، وعرفته فى بداية حياته شابًا يخطو خطواته الأولى، ولم يكن الطريق سهلًا بل كان مليئًا بالصخور والأهوال، ورأيته يبكى على كتفى والسكاكين تغمد فى ظهره لكنه لم ييأس ولم يتراجع، مضى يشق طريقه بدمه ودموعه وعرقه وصحته وعناده وصبره، ووصل إلى القمة وهبت عليه الأعاصير والزوابع، وتشبث مكانه ودافع عن مجده، وحاور وناور وتقدم وتأخر واستطاع أن يصعد من قمة إلى قمة.
وعرفته منذ سنوات طويلة عاشها محرومًا من أن يأكل ما يتمنى، مسجونًا داخل زجاجة دواء، أقراص الأدوية لا تفارقه ليل نهار، أعرفه يبتسم ويضحك ودمه ينزف وجسمه يتمزق، هو أقوى من المرض لكن أضعف من الموت، وذات يوم أعطيت إجازة إجبارية من عملى فى «أخبار اليوم» وحددت إقامتى فى بيتى، وكان عبد الحليم حافظ يزورنى كل مساء ويبقى عندى إلى ساعة متأخرة من الليل، وقال لى أطباؤه إنه يجب ألا يسهر فكنت أصر على أن ينصرف عند منتصف الليل، وكان يعارض قبل أن ينصرف إلى بيته فألح عليه، وقال إنه يكره أن يضع رأسه على الوسادة لأنه يشعر أنه لن يقوم ثانية، ولهذا لا يدخل إلى السرير إلا إذا أصبح عاجزًا عن أن يقف على قدميه، هذا الشعور باقتراب الموت كان يسيطر على حليم، وكان يخفيه عن أقرب الناس إليه حتى لا يزعجهم، كان يقاوم الموت بشجاعة مذهلة، فلا يكاد يفتح عينيه بعد إغماءة طويلة إلا ويفكر فى لحن أو فيلم جديد».
وعندما تم إلقاء القبض على مصطفى أمين وأودع السجن بتهمة التجسس لحساب الولايات المتحدة حاول عبد الحليم محاولات كثيرة لدى الرئيس عبد الناصر والمحيطين به لكى يتم الإفراج عن صديقه مصطفى أمين، لكن كل محاولاته باءت بالفشل ونصح بعدم الحديث فى هذا الموضوع بعد ذلك، لكن عبد الحليم كان لديه إيمان شديد بأن صديقه مصطفى أمين كان ضحية لمؤامرة من صلاح نصر مدير المخابرات الذى قدم للرئيس عبد الناصر تسجيلات خضعت لمونتاج احترافى وصدق الرئيس ما قدم له وبرحيل عبد الناصر ومجيء السادات عاود العندليب محاولات الإفراج عن مصطفى أمين، ويقول فى مذكراته التى أملاها على الكاتبة إيريس نظمى: «تم القبض على مصطفى أمين وهو فى ضيافة السفير الأمريكى بتهمة الاتصال بأحد رجال المخابرات الأمريكية.. واتهم بالخيانة لأنه تجرأ وطلب من أمريكا عدم تقديم المعونة والقمح لمصر، وكنت أعلم من مصطفى أمين أن هذه الاتصالات كانت تتم بناء على تعليمات تخص أمورًا معينة صادرة له من عبد الناصر شخصيًا، وشعرت أن مصطفى أمين وقع فى مصيدة أعدت له، سمح لى بزيارته فى محبسه لأطمئن عليه لأنه كان مريضًا وربما يكون فى حاجة لأدوية أحضرتها له عند سفرى للندن وكنت أرسلها له بصفة منتظمة فى محبسه، لكنى فشلت تمامًا فى الإفراج عنه، وعندما أصبح السادات رئيسًا للبلاد تحدثت معه عندما دعيت لإحياء فرح إحدى بناته باستراحة القناطر بحضور السيدة جيهان السادات وموسى صبرى.. وأحمد رجب وأنيس منصور وأكدنا للرئيس أن مصطفى أمين يعانى من تداعيات المرض الذى تفاقم بعد دخوله السجن، ورجوناه جميعًا أن يفرج عنه، واستجاب الرئيس وأفرج عنه فى اليوم التالى وعاد إلى بيته بعد معاناة من ويلات السجن وهو فى الستين من عمره».

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







