في عمق جبال مقاطعة جوانغشي الصينية، وبين منحدرات خضراء تلتف حول قرية «هوانغلو»، ليس الذهب هو مقياس الثروة، لكن يقاس العمر والحظ والوجاهة بـ «السنتيمتر»؛ وتحديداً بطول خصلات الشعر السوداء التي تنسدل من رؤوس النساء كشلالات من الحرير الصافي.
هنا تسكن قبيلة «ياو» الصينية، قبيلة تعاند الزمن، فهو يحفر متاعبه على وجوه كبار نساءها، لكنه يقف خجلا أمام رؤوسهن، عاجزا عن رسم الشيب في خصلات شعرهن، فلا تندهش أبدا حينما ترى إمرأة في سن الـ80، وترى تجاعيد وجهها وكف يديها، لكنها تحمل فوق رأسها شلال من الحرير الأسود، يلمع تحت ضوء الشمس، ولا يعرف أبدا معنى الشيب.
اقرأ أيضا| حكاية "العيدية" تقليد مصري خالد يجمع بين بهجة العيد وجذور تمتد لآلاف السنين
تعتبر قبيلة «ياو» الصينية من أكثر القبائل التي تتميز بعاداتها الفريدة، حيث يعتبر الشعر الطويل أهم ما تمتلكه المرأة والأسرة، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الملابس الحمراء التقليدية التي يرتديها سكانها.
أكثر ما يلفت الانتباه في قبيلة «ياو» هو شغفهم الكبير بالشعر الطويل، العائلة تفخر بنسائها اللواتي يمتلكن أطول شعر، وحصلت القبيلة على شهادة «جينيس» باعتبارها القرية صاحبة النساء الأطول شعرًا في العالم، و يبلغ متوسط طول شعر النساء في القبيلة 1.7 متر، فيما يتجاوز أطول شعر الـ 2.1 متر، وتعتبر المرأة الأطول شعرًا صاحبة السلطة والنفوذ في المجتمع القبلي.
خلف هذا المشهد الساحر الذي أبهر موسوعة «جينيس» والعالم، لا توجد صبغات كيميائية ولا زيوت مستوردة، بل هناك سر محفوظ في أوعية فخارية بسيطة، ويسكب على مهل فوق الرؤوس، ليغزل حكاية شعب يعتقد أن الحظ والثروة والعمر المديد، كلها تبدأ من «طول الشعرة ولونها».
سر شعر نساء «ياو» هو ماء الأرز المختمر، حيث يحضرونه بترك الأرز النيئ في الماء لمدة أسبوع أو أكثر، وتجلس النساء على حافة النهر، وتغمس شعرها الذي يتجاوز طوله المتر ونصف، في هذا السائل السحري، لتهب شعرها لمعة الفحم وقوة الجبال.
أصبحت النساء في قبيلة «ياو» أكثر حرية في إظهار شعورهن السوداء اللامعة، ويمشطنها في الأماكن العامة دون الخوف من العقوبات التي كانت تفرض في الماضي، حيث كان كشف الشعر أمام الغرباء «خطيئة» تعاقب عليها المرأة، لكن اليوم، انكسرت تلك القيود، و صار بإمكان السائحات والسياح رؤية تلك المشاهد المهيبة لنساء يفككن ضفائرهن التي تتجاوز المترين أحياناً.
تختلف تسريحات الشعر في قبيلة «ياو» بحسب الحالة الاجتماعية للمرأة، فإذا كان الشعر ملفوفًا حول رأسها، فهذا يدل على أنها متزوجة وليس لديها أطفال، وإذا كان الشعر ملفوفًا بشكل دائري على جبهتها، فهذا يعني أنها متزوجة ولديها أطفال، أما إذا كانت ترتدي وشاحًا حول رأسها، فهي ما زالت تبحث عن شريك لحياتها.
في قبيلة «ياو»، لا تتحكم الرجال في السلطة، بل تتولاها المرأة ذات الشعر الأطول، حيث يعتبرونها ملكة، فتدير شئون البيت، وتتحكم في موازين البيع والشراء، ولا يجد رجال القبيلة غضاضة في ذلك، بل يمشون خلف نساءهم بكل فخر، فهم يعرفون جيدا أن كل سنتميتر من هذا الشعر وراءه صبر وعناية، ويحظ يحمي القبيلة من الأشرار.


"الخالدين".. حكاية مقابر تحولت إلى متحف مفتوح لتاريخ مصر
أوتار الحضارة الخالدة.. رحلة الموسيقى والإبداع عبر آلاف السنين
ليس بالبناء وحده عاش الفراعنة.. حكاية "منيو" الحياة اليومية بمصر القديمة





