العلم والعلماء

ولّى بعد أن.. رمض الذنب رمضاً

د. ممدوح سالم
د. ممدوح سالم


​تظل اللغة فى جوهرها كائنا حيا، يأبى الاستسلام لسجون التعاريف الضيقة، وإن كانت المعاجم قد حاولت حصر «رمضان» فى قوالب ثلاثة؛ أولها «الرمضاء» وما فيها من شدة الحر واحتراق الرمل، وثانيها موافقته لزمن القيظ عند العرب قديماً فزيدت ألفه ونونه للمبالغة، وثالثها قدرته على «إرماض الذنوب» أى إحراقها كما تلتهم النار الحطب.. إلا أن عين المتأمل تدرك أن اللغة ليست حادة الطبع كمعجمها، ولا هى جامدة فى مرافئ مفرداتها.

​إننا أمام انزياح دلالى أعمق، يتجاوز حدود التسمية التاريخية إلى رحاب «الفلسفة الروحية». فاللغة هنا ليست مجرد وعاء للماضي، بل هى علاقة تشتبك فيها الحروف بالمعانى لتكشف عن ثراء لا يحده زمن، حين نفكك حصار اللفظ، نجد أن «رمضان» ببنائه اللفظى المشتمل على مادة (ر م ض) وزيادة الألف والنون، لا يشير إلى «حرارة الطقس» فحسب، بل يمتد ليصبح «حرارة التطهير».

​فلسفة البناء والتحرر

​إن زيادة الألف والنون فى الأعلام والصفات هى فى جوهرها «تحرر للمعنى» نحو غايته القصوى. فإذا كان المعجم يحبسنا فى حرارة الرمل، فإن البلاغة الروحية تطلقنا فى فضاء «المبالغة فى المغفرة». فرمضان لا يكتفى بمحو الذنب، بل يرمضه رمضا، حتى لا يبقى له أثرا، مصداقا لقول النبى صلى الله عليه وسلم: «الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما».

​هذا التوافق العجيب بين اللفظ (المبنى) والمعنى (المتحقق) يتجلى فى أسمى صوره حين نعلم أن الصائم يخرج من شهره نقيا طاهرا، وكأن تلك «الرمضاء» لم تكن لإحراق جسده ظمأً، بل لإحراق خطيئته ذوبا.
​خصوصية «الصوم لي»

​ويكتمل هذا التحرر الدلالى فى ذروة الخصوصية التى منحها الله لهذا الشهر فى الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به». هنا يتجاوز الصوم حدود «العمل» المادى ليدخل فى حيز «السر» الإلهي؛ فالمعنى هنا لم يعد محصورا فى جوع أو عطش، بل فى «اتصال» لا يدرك كنهه إلا من صام إيمانا واحتسابا.

​إن رمضان، وفق هذا المنظور، ليس مجرد اسم لشهر فى التقويم، بل هو «مجاز لغوي» يتحقق فى الواقع الروحي، ذلك هو الانتقال من ضيق «اللفظ المعجمي» إلى سعة «المعنى الوجداني».

إنه الشهر الذى تحترق فيه المسافات بين العبد وربه، لتشرق النفس فى ختامه وقد تجردت من أثقالها، متحررة من قيود الطين إلى رحابات اليقين، واختراقات المدى.