كثيرون يلاحظون أن صداقات مرحلة الشباب، خاصة بين سن 16 و25، تظل الأقرب إلى القلب رغم مرور السنوات، لكن ما قد يبدو مجرد حنين عاطفي، يكشف العلم أنه مرتبط بتغيرات عميقة في الدماغ، تجعل هذه العلاقات مختلفة جذريا عن أي صداقات لاحقة.
اقرا أيضأ|العيد في المنزل.. كيف تصنع أجواء استثنائية مليئة بالفرح؟
أظهرت دراسة حديثة في مجال التطور الاجتماعي أن العزلة خلال فترة المراهقة لا تقتصر آثارها على الشعور المؤقت بالوحدة، بل تمتد لتحدث تغييرات طويلة الأمد في بنية الدماغ، وتشير النتائج إلى أن الصداقات التي تتشكل بين سن 16 و25 تحتل مكانة خاصة في الجهاز العصبي، تجعلها أكثر تأثيرًا واستمرارية مقارنة بالعلاقات التي تبنى لاحقا.
ويرجع ذلك إلى أن الدماغ خلال هذه المرحلة يمر بحالة من المرونة العالية، حيث لا تزال قشرة الفص الجبهي في طور النمو، بينما يكون الجهاز الحوفي، المسؤول عن المشاعر، في ذروة نشاطه وفي هذه الفترة، تكون الدوائر العصبية المرتبطة بالتفاعل الاجتماعي مفتوحة لتكوين روابط عميقة بسرعة وكفاءة غير معتادتين.
كما تظهر أبحاث علم الأعصاب أن كثافة الروابط العصبية وتجددها تتركز في المناطق المسؤولة عن فهم الآخرين، وتنظيم العواطف، وبناء الهوية الشخصية ونتيجة لذلك، لا تبقى الصداقات مجرد ذكريات، بل تتحول إلى جزء من التكوين العصبي للفرد، وتؤثر في طريقة تواصله مع الآخرين طوال حياته.
وهذا ما يفسر الشعور المألوف عند إعادة التواصل مع صديق قديم بعد سنوات طويلة، إذ يبدو وكأن الزمن لم يمر، فالدماغ لا يحتاج إلى إعادة بناء العلاقة، لأنها محفوظة ضمن بنيته الأساسية،ومع التقدم في العمر، وتحديدا في منتصف العشرينات، يبدأ الدماغ عملية تعرف بـ"التقليم المشبكي"، حيث يتم تقليل عدد الروابط العصبية غير المستخدمة، بينما تصبح العمليات العصبية أكثر سرعة وكفاءة بفضل زيادة التغليف المياليني إلا أن هذه التغيرات تأتي على حساب المرونة التي كانت تسمح بتكوين روابط اجتماعية عميقة بسهولة في السابق.
وفي مرحلة البلوغ، تظل القدرة على تكوين صداقات جديدة قائمة، لكنها تتطلب جهدًا أكبر ووعيا متزايدا، وتشبه إلى حد كبير تعلم مهارة جديدة. فكما يكتسب الطفل اللغة بشكل طبيعي وسلس، يحتاج البالغ إلى التعلم المنظم والتكرار لتحقيق النتيجة نفسها، وإن كانت التجربة مختلفة.
وينطبق هذا على العلاقات الاجتماعية، حيث يميل الدماغ بعد سن الخامسة والعشرين إلى مقارنة أي علاقة جديدة بالنموذج الذي تشكل في تلك المرحلة المبكرة، مما يجعل الصداقات الجديدة أقل تلقائية، حتى وإن كانت عميقة وذات قيمة.
وعلى عكس الاعتقاد الشائع، فإن الشعور بالحنين إلى أصدقاء الماضي لا يعود فقط إلى الذكريات الجميلة، بل إلى أن هذه العلاقات نشأت في فترة كان فيها الدماغ في أقصى درجات الاستعداد للتفاعل العاطفي والاجتماعي، فقد أظهرت الدراسات أن هرمونات مثل الدوبامين والأوكسيتوسين، المرتبطة بالمكافأة والترابط، تكون في أعلى مستوياتها خلال هذه المرحلة، ما يعزز قوة تلك الروابط، كما تلعب مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة العاطفية دورًا في ترسيخ هذه التجارب بشكل أعمق، ما يجعلها أكثر تأثيرا مقارنة بتجارب لاحقة.
وفي المقابل، تشير الأبحاث إلى أن العزلة الاجتماعية خلال هذه الفترة قد تترك آثارا سلبية طويلة الأمد، حيث تؤثر في استجابة الدماغ للتوتر، وقد تمتد آثارها إلى الصحة النفسية والجسدية، بينما تساهم العلاقات الاجتماعية القوية في هذه المرحلة في بناء نظام عصبي أكثر توازنا وقدرة على التكيف.
تكشف هذه النتائج أن صداقات الشباب ليست مجرد مرحلة عابرة، بل هي حجر أساس في تشكيل شخصية الإنسان وطريقة تفاعله مع العالم، وبينما يمكن تكوين علاقات جديدة في أي عمر، تبقى تلك التي ولدت في سنوات التكوين الأولى مختلفة بطبيعتها، لأنها ببساطة كتبت في أعماق الدماغ.

مشروبات الطاقة.. أضرار ومضاعفات خطيرة
«اللبن المتجمد أم القاطع».. أيهما أفضل للاستخدام
جددي في مطبخك.. طريقة تحضير فيليه اللحم بحشو الخضار







