علاء الدين حافظ يكتب: مناورات ترامب وفتنة «أكسيوس»

علاء الدين حافظ
علاء الدين حافظ


تكشف تصريحات ترامب منذ اندلاع الحرب على إيران، كيف يدير حاكم البيت الأبيض الصراع في الشرق الأوسط.

بعد ساعات من الحرب، صرح ترامب بأنه تفاجأ من عدم تفكك النظام الإيراني في أعقاب نجاح الضربة الأولى في اغتيال المرشد وقادة عسكريين بارزين. الحقيقة أن ترامب لم يتفاجأ على الإطلاق، خاصة وأن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية تعي تمامًا طبيعة هيكلية النظام الإيراني، وأن هناك طبقات بنيوية تعوض تحييد القائد، حتى ولو كان هذا القائد المرشد نفسه، وسبق أن اختبرت أمريكا وإسرائيل بنية النظام الإيراني في حرب الإثني عشر يومًا. أضف إلى ذلك أن المرشد الإيراني، قبل اغتياله بأيام، أعلن على الملأ أنه حدد 4 بدائل لكل قائد عسكري تحسبًا للحظة الحرب. إذًا، صفة المفاجأة غير واردة على الإطلاق.

أما المفاجأة الثانية التي روج لها ترامب، تمثلت في الرد الإيراني باستهداف القواعد العسكرية في منطقة الخليج العربي، وهذه أيضًا مردود عليها. بعيدًا عن المعلومات الاستخباراتية التي أكدت قدرة إيران على تنفيذ تهديداتها، كثفت دول الخليج مجتمعة من تحذيراتها لواشنطن، بأن شن حرب أمريكية أو إسرائيلية على إيران، سيدفع الأخيرة إلى استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في منطقة الخليج، وأن الحرب تضع الدول الخليجية في مرمى المسيرات الإيرانية، وأن الحل الأمثل في مواصلة سياسة «الضغوط القصوى» من أجل ترويض طهران، غير أن أمريكا ضربت بهذه التحذيرات عرض الحائط، وشنت بالمشاركة مع إسرائيل حربًا مدمرة على إيران، ما دفع الأخيرة إلى تنفيذ تهديداتها باستهداف الدول الخليجية، وهو ما ينفي للمرة الثانية صفة المفاجأة.

الاستنتاجات السابقة تدفع إلى التساؤل: لماذا إذًا يتظاهر ترامب بالمفاجأة، أو بالمعنى الأكثر وضوحًا يروج لفكرة المفاجأة؟ في تقديري، يعي ترامب تمامًا أنه لا وجود لصفة المفاجأة في صمود أو رد فعل الحرس الثوري الإيراني، لكنه يبحث من وراء ذلك عن احتواء غضب قادة دول الخليج، الذين حمّلوا الإدارة الأمريكية تبعات الاستهداف الإيراني لأراضيهم، والتقليل من حدة الانتقادات الموجهة إليه من الكونغرس، خاصة وأنه روج بأنها ستكون حربًا خاطفة، تستهدف تحييد قمة هرم النظام، ثم البدء في استبداله بنظام آخر «مطيع» لأمريكا، أسوة بالسيناريو الفنزويلي.

العنصر الآخر، أنه يبعث برسائل غير مباشرة لحلفائه في منطقة الخليج، من أجل المساعدة عسكريًا في القضاء على النظام الإيراني، الذي أبدى مقاومة وصمودًا غير متوقعين، حسب وجهة نظر ترامب. وحسنًا فعلت الدول الخليجية بعدم الانزلاق إلى فخ هذه الحرب، لأن الرابح الأول والأخير منها إسرائيل، هكذا تحطمت مناورات ترامب أمام ضبط النفس الخليجي.

🔳🔳🔳🔳🔳🔳

بعيدًا عن الفتنة التي يحاول تزكية نيرانها ترامب، من أجل توريط دول المنطقة في حرب لا تبقي ولا تذر، هناك دور إعلامي خبيث يقوم به باراك رافيد، مراسل موقع «أكسيوس» الأمريكي في تل أبيب. لمن لا يعرف، فإن باراك رافيد كان ضابطًا في الموساد الإسرائيلي، قبل أن يتحول إلى مراسل إعلامي من داخل إسرائيل.

المفارقة أن رافيد لا يتصرف كمراسل تقليدي ينقل الوقائع أو يحللها بصورة مهنية، بل يبدو في كثير من الأحيان جزءًا من ماكينة التسريبات السياسية والأمنية التي تستخدمها تل أبيب وواشنطن لتهيئة الرأي العام الدولي قبل اتخاذ قرارات كبرى. فمن يراقب طريقة عمله يكتشف أن معظم تقاريره تقوم على ما يسمى في الصحافة الغربية بـ«مصادر مطلعة» أو «مسؤولين مطلعين على المفاوضات»، وهي صيغة يتم اللجوء إليها صحفيًا من أجل تمرير رسائل دون أن تتحمل الجهات الرسمية مسؤوليتها.

ولا يقتصر الأمر على طبيعة المصادر، بل يمتد أيضًا إلى توقيت التسريبات نفسها. في أكثر من محطة مفصلية مرتبطة بالحرب على إيران، خرجت تقارير رافيد عبر موقع «أكسيوس» لتتحدث عن «مداولات داخل الإدارة الأمريكية»، أو «خطط إسرائيلية محتملة»، أو «رسائل تحذير نقلتها واشنطن إلى طهران». هذه النوعية من الأخبار لا تُنشر عادة عبثًا، بل تُستخدم في كثير من الأحيان «بالونة اختبار» أو أداة ضغط نفسية، سواء على الخصوم أو حتى على الحلفاء.

هنا تتضح طبيعة الدور الذي يلعبه موقع «أكسيوس» نفسه. فالموقع الذي تأسس عام 2017، أصبح خلال سنوات قليلة وجهة لتسريبات المعلومات من دوائر صنع القرار في تل أبيب وواشنطن. ويكفي أن نلاحظ أن كثيرًا من التقارير الحصرية التي ينشرها الموقع تتعلق مباشرة بالسياسة الخارجية الأمريكية، أو بالمداولات الداخلية في البيت الأبيض ووزارة الخارجية.

هذا النمط من الصحافة دفع عددًا من المحللين إلى اتهامه بأنه منصة تسريب مدروسة، تستخدمها الإدارة الأمريكية لاختبار ردود الفعل أو تمرير رسائل غير مباشرة. فعندما ترغب واشنطن في إرسال إشارة سياسية دون إصدار بيان رسمي، غالبًا ما تظهر تلك الرسالة أولًا في تقرير «حصري» على موقع «أكسيوس».

وفيما يتعلق بالشرق الأوسط تحديدًا، لعب الموقع دورًا لافتًا في نشر تسريبات تتعلق بالمفاوضات النووية مع إيران، والعمليات العسكرية الإسرائيلية، والتحركات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة. وغالبًا ما كان باراك رافيد هو حلقة الوصل الأساسية في هذه التسريبات، مستفيدًا من شبكة علاقاته الواسعة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل.

لذلك فإن متابعة ما ينشره باراك رافيد لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مراسل صحفي، بل باعتباره جزءًا من معركة الحرب النفسية المصاحبة للحروب الإسرائيلية. ومن هنا يمكن فهم لماذا تتحول بعض التقارير المنشورة على «أكسيوس» إلى عناوين رئيسية في وسائل الإعلام الغربية خلال ساعات قليلة. المسألة لا تتعلق فقط بسرعة النشر، بل بقدرة الموقع على اختراق المنطقة الوسطى بين الصحافة والسياسة، حيث تختلط المعلومات بالتسريبات، ويتحول الخبر أحيانًا إلى أداة ضمن أدوات إدارة الصراع.

بيت القصيد؛ المناورات في مناطق الظل أشد وطأة من ميادين القتال. الإدراك الواعي لما وراء القرارات والتصريحات، وحتى الأخبار، يجعلك قادرًا على اتخاذ موقف استباقي يفوت الفرصة على الأعداء. التحدي الراهن الذي تواجهه منطقتنا العربية يتطلب من الجميع القفز فوق الحواجز «البينية»، لأن التحدي هذه المرة جد خطير.