تعد العلاقة بين جمهورية مصر العربية والإمارات العربية المتحدة واحدة من أبرز العلاقات الثنائية في العالم العربي، حيث تطورت عبر عقود طويلة من التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي.
لم تنشأ هذه العلاقة فجأة، حيث تشكلت عبر مراحل تاريخية متعددة منذ ما قبل قيام الاتحاد الإماراتي عام 1971، واستندت إلى روابط إنسانية وثقافية عميقة، وتعاون مستمر في مواجهة التحديات الإقليمية ودعم الاستقرار والتنمية في المنطقة.
وفي ظل التحولات الإقليمية المتلاحقة، حافظت القاهرة وأبوظبي على مستوى عال من التنسيق والشراكة، لتصبح العلاقات بين البلدين نموذجًا للتعاون العربي القائم على المصالح المشتركة والروابط التاريخية بين الشعبين.

جذور العلاقات
تعود جذور العلاقة بين مصر والإمارات إلى ما قبل إعلان اتحاد الإمارات عام 1971، عندما بدأت روابط سياسية وثقافية مبكرة بين قيادات المنطقة، فقد جمعت علاقة وثيقة بين الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والشيخ المؤسس لدولة الإمارات زايد بن سلطان آل نهيان، وهي علاقة ساهمت في ترسيخ الاحترام المتبادل بين البلدين منذ تلك الفترة المبكرة.
كما لعبت مصر دورًا مهمًا في دعم التنمية التعليمية والصحية في الإمارات خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث شاركت بعثات من المعلمين والأطباء المصريين في تطوير المؤسسات التعليمية والطبية في الإمارات قبل قيام الاتحاد.
ووفي الوقت نفسه، كان العديد من الطلاب الإماراتيين يتوجهون إلى الجامعات المصرية لاستكمال دراستهم، ما أسهم في بناء جسور ثقافية وإنسانية بين الشعبين.
التنسيق المباشر على أعلى المستويات
لا تنتظر العلاقة بين القاهرة وأبوظبي المناسبات الرسمية لتتجدد، إذ تجد في كل استحقاق إقليمي فرصةً للتعبير عن عمقها وراسخ أُسسها، ويحتل التواصل المباشر بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد آل نهيان موقعًا محوريًا في بنية هذه العلاقة، حيث تُفضي كل مستجدات المنطقة إلى حوار مشترك يعكس وحدة الرؤية وتشابك المصائر بين البلدين.
وفي هذا الإطار، يؤكد الرئيس السيسي في كل محطة أن تضامن مصر مع الإمارات ليس موقفًا ظرفيًا، بل ثابت راسخ لا يقبل المساومة، وأن رفض أي اعتداء يستهدف الإمارات أو يمس أمن دول الخليج يمثل موقفًا مبدئيًا تقف خلفه القاهرة بكامل ثقلها، مستندًا إلى قناعة جوهرية بأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن تعزيز مفهوم الأمن العربي الجماعي يمثل الإطار الأمثل لمواجهة تحديات المرحلة.
في المقابل، يُشير الشيخ محمد بن زايد إلى أن مواقف مصر الداعمة لدول الخليج تحظى بتقدير بالغ، وأن التنسيق مع القاهرة يمثل ركيزة ثابتة لا تتزعزع في مواجهة التحديات المشتركة، وهو ما يجلّي حجم الثقة المتبادلة بين الجانبين، ويعكس إدراكًا مشتركًا بأن متانة العلاقات الأخوية بين البلدين والشعبين هي الضمانة الحقيقية لاستقرار المنطقة.

مرحلة التأسيس بعد اتحاد الإمارات عام 1971
مع إعلان قيام الإمارات العربية المتحدة عام 1971، دخلت العلاقات المصرية الإماراتية مرحلة جديدة من التعاون السياسي والدبلوماسي. فقد حرص الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على تعزيز العلاقات مع مصر باعتبارها دولة محورية في المنطقة العربية.
وكان الشيخ زايد يعرب دائمًا عن تقديره لمكانة مصر ودورها الإقليمي، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن قوة مصر تمثل دعامة أساسية لاستقرار العالم العربي.
خلال تلك الفترة، شهدت العلاقات توسعًا في مجالات متعددة، شملت التعاون السياسي والاقتصادي وتبادل الزيارات الرسمية بين القيادات في البلدين.
دعم إماراتي لمشروعات تنموية في مصر
ارتبط اسم الشيخ زايد بعدد من المشروعات التنموية في مصر، التي جاءت تعبيرًا عن عمق العلاقات بين البلدين، ومن أبرز هذه المشروعات:
- إنشاء مدينة الشيخ زايد في محافظة الجيزة بتمويل من صندوق أبوظبي للتنمية.
- إنشاء أحياء سكنية باسم الشيخ زايد في مدن القناة مثل السويس والإسماعيلية.
- تنفيذ مشروعات زراعية كبرى مثل قناة الشيخ زايد في توشكى.
- مشروعات ريّ وزراعة في سيناء ووادي النطرون.
وقد عُدّت هذه المبادرات من أبرز مظاهر التعاون التنموي بين البلدين، وأسهمت في دعم خطط التنمية في مصر خلال العقود الماضية.
تحتفل الإمارات اليوم في مصر بخمسين عاماً من العلاقات الأخوية .. المستقرة .. المتطورة .. نحتفل ونحتفي أيضا ببداية خمسين عاماً جديدة أيضا بقيادة أخي الرئيس عبدالفتاح السيسي وأخي محمد بن زايد رئيس الدولة حفظه الله .. مصر والإمارات قلب واحد pic.twitter.com/4g8CyzsjPv
— HH Sheikh Mohammed (@HHShkMohd) October 26, 2022
تطور العلاقات السياسية والدبلوماسية
شهدت العلاقات بين القاهرة وأبوظبي تطورًا مستمرًا عبر تبادل الزيارات الرسمية واللقاءات بين القيادات السياسية، فقد جرت زيارات متعددة بين قادة البلدين على مدار السنوات، شملت لقاءات بين الرئيس الأسبق حسني مبارك وقيادة الإمارات، إضافة إلى زيارات متبادلة بين المسؤولين في الحكومتين لتعزيز التعاون في مجالات مختلفة.
ومع مرور الوقت، توسعت العلاقات لتشمل تنسيقًا في القضايا الإقليمية والدولية، إضافة إلى تعزيز التعاون في مجالات الأمن والاستقرار في المنطقة.
الشراكة الاقتصادية والاستثمارية
تعد الإمارات من أكبر المستثمرين العرب في الاقتصاد المصري، حيث شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين نموًا ملحوظا خلال السنوات الماضية، مع توسع الاستثمارات الإماراتية في قطاعات متنوعة مثل:
الطاقة، العقارات، السياحة، البنية التحتية، الصناعة، والخدمات المالية.
كما ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بشكل ملحوظ، ما يعكس عمق العلاقات الاقتصادية والتجارية بين القاهرة وأبوظبي.
ويرى محللون أن الشراكة الاقتصادية بين البلدين تعتمد على تكامل اقتصادي واضح، حيث تمثل مصر سوقًا كبيرة وموقعًا استراتيجيًا، بينما تمتلك الإمارات خبرات استثمارية وتمويلية كبيرة.

التعاون في المجالات الثقافية والتعليمية
لا تقتصر العلاقات المصرية الإماراتية على السياسة والاقتصاد فقط، وإنما تمتد إلى مجالات الثقافة والتعليم والإعلام.
فقد لعبت المؤسسات الثقافية والتعليمية في البلدين دورًا مهمًا في تعزيز التواصل بين المجتمعين، كما شارك المثقفون والأكاديميون في العديد من الفعاليات المشتركة التي تسلط الضوء على التاريخ والثقافة العربية المشتركة.
كما تستضيف الجامعات المصرية عددًا من الطلاب الإماراتيين، بينما يعمل العديد من الكفاءات المصرية في مختلف القطاعات التعليمية والإعلامية داخل الإمارات.
العلاقات العسكرية والتنسيق الأمني
شهدت العلاقات بين البلدين أيضًا تطورًا في مجال التعاون العسكري والأمني، حيث يجري تنسيق بين الجانبين في العديد من الملفات المتعلقة بأمن المنطقة.
وتؤكد القيادة المصرية في مناسبات مختلفة أن أمن منطقة الخليج يرتبط بشكل وثيق بالأمن القومي المصري، وهو ما انعكس في التعاون الدفاعي بين البلدين وتبادل الخبرات العسكرية.
العلاقات في السنوات الأخيرة
في السنوات الأخيرة، واصلت العلاقات المصرية الإماراتية تطورها لتشمل شراكات أوسع في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والبنية التحتية.
كما شهدت العلاقات تنسيقا سياسيا ودبلوماسيا في العديد من القضايا الإقليمية، إلى جانب تعاون اقتصادي متزايد واستثمارات كبيرة في مشاريع تنموية داخل مصر.
ويرى مراقبون أن العلاقات بين القاهرة وأبوظبي أصبحت تمثل نموذجا للتعاون العربي القائم على المصالح المشتركة والرؤية المشتركة لمستقبل المنطقة.
وتمتد العلاقات بين مصر والإمارات لأكثر من نصف قرن من التعاون والتنسيق في مختلف المجالات.
فقد بدأت هذه العلاقات بروابط إنسانية وثقافية قبل قيام الاتحاد الإماراتي، ثم تطورت تدريجيًا إلى شراكة سياسية واقتصادية واسعة النطاق.
واليوم، تمثل العلاقات المصرية الإماراتية أحد أبرز نماذج التعاون العربي، حيث تستند إلى تاريخ طويل من الدعم المتبادل والمشروعات المشتركة والتنسيق المستمر في القضايا الإقليمية، بما يعكس عمق الروابط بين الشعبين والدور المشترك في دعم الاستقرار والتنمية في المنطقة.

بري: انسحاب حزب الله من «الليطاني» معلق بخروج إسرائيل من المناطق المحتلة
بسبب نفاد الأدوية.. الصحة الفلسطينية تناشد لإنقاذ آلاف المصابين بالسرطان
مصر تدين استهداف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان «اليونيفيل»







