لم تكن الحيوانات في مصر القديمة مجرد كائنات تعيش في البرية أو تُصاد في الصحراء، بل حظيت بمكانة خاصة داخل المجتمع المصري القديم، حيث جمعها المصريون منذ آلاف السنين في أماكن مخصصة داخل المعابد والقصور الملكية.
وبين الفيلة والنعام والتماسيح والنمور والطيور النادرة، ظهرت ملامح تجربة فريدة يمكن اعتبارها البدايات الأولى لفكرة حدائق الحيوان في التاريخ، قبل ظهورها في العالم الحديث بآلاف السنين، وهو ما تؤكده النقوش الأثرية والاكتشافات التاريخية التي تكشف جانبًا مدهشًا من علاقة المصري القديم بعالم الحيوان.
◄ الارتباط الوثيق بين الإنسان المصري وبيئته الطبيعية
يوضح الباحث الأثري الطيب غريب، كبير مفتشي معابد الكرنك السابق، أن المصريين القدماء أولوا اهتمامًا بالغًا بالحيوانات والطيور، فلم يقتصر تعاملهم معها على الاستئناس أو التربية فقط، بل امتد الأمر في بعض الحالات إلى تقديس بعض الحيوانات وتحنيطها ودفنها بعد وفاتها، في طقوس دينية تعكس مكانتها في العقيدة المصرية القديمة.
ويشير إلى أن محاولات استئناس الحيوانات والاعتناء بها تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، نتيجة الارتباط الوثيق بين الإنسان المصري وبيئته الطبيعية، ومع مرور الوقت، بدأ المصري القديم في جمع بعض الحيوانات داخل أماكن مخصصة، وهو ما يعد خطوة مبكرة نحو فكرة حدائق الحيوان.
ومن أبرز الأدلة الأثرية على ذلك ما كشفته عالمة الآثار الأمريكية Renee Friedman عام 2015 خلال حفائر في موقع Hierakonpolis، المعروف قديمًا باسم “نخن”، والذي كان يعد من أقدم العواصم الدينية والسياسية في نهاية عصر ما قبل الأسرات. ويعني اسم المدينة "مدينة الصقر"، نسبة إلى المعبود Horus.
◄ اكتشافات قبل الميلاد
وخلال أعمال التنقيب، عثرت البعثة الأثرية على بقايا عدد من الحيوانات التي جُلبت من مناطق بعيدة مثل أدغال أفريقيا والنوبة، من بينها الفيلة والقطط البرية والنمور والحمير والثيران وأفراس النهر والنعام والتماسيح، إلى جانب أنواع مختلفة من الطيور. ويرجع تاريخ هذه الاكتشافات إلى نحو 3500 قبل الميلاد، أي قبل بداية عصر الأسرات، ما دفع الباحثين إلى ترجيح أن الموقع يمثل أقدم حديقة للحيوان عرفها التاريخ، منذ ما يقرب من ستة آلاف عام.
وفي عصر الدولة القديمة، وتحديدًا خلال حكم الملك Sahure من الأسرة الخامسة حوالي عام 2500 قبل الميلاد، تكشف النقوش الموجودة في معبده الجنائزي عن جلب دب من بلاد الشام خلال إحدى الرحلات التجارية، في إشارة إلى أن الحيوانات النادرة كانت تُستورد من خارج مصر وتحظى بعناية خاصة داخل القصور الملكية.
أما في عصر الدولة الحديثة، فقد سجلت الملكة Hatshepsut رحلتها الشهيرة إلى Land of Punt على جدران معبدها في Mortuary Temple of Hatshepsut، حيث عادت الرحلة محملة بالنباتات والحيوانات النادرة، ومنها بعض الحيوانات المفترسة التي تمت تربيتها داخل القصور والمعابد الملكية.
كما تكشف نقوش معبد "الآخ منو" داخل مجمع Karnak Temple Complex في عهد الملك Thutmose III عن أكثر من 300 نوع من النباتات والحيوانات والطيور التي جُلبت إلى مصر خلال حملاته العسكرية ورحلاته في بلاد الشرق.
◄ النواة الأولى لفكرة حدائق الحيوان
وقد اعتمد العلماء على هذه الرسوم والنقوش لدراسة أنواع الكائنات التي عرفها المصري القديم، فبعضها ما زال موجودًا حتى اليوم، بينما اختفى البعض الآخر أو انقرض بمرور الزمن.
وتشير الدراسات إلى أن تحتمس الثالث كان مولعًا بجمع الحيوانات والطيور النادرة مثل الظباء والغزلان وأنواع مختلفة من الطيور، إضافة إلى بعض الحيوانات المفترسة.
اقرأ ايضا| «الوزراء» يكشف عن موعد افتتاح حديقتي الحيوان والأورمان
كما تظهر مناظر مقبرة الوزير Rekhmire رقم 100 في غرب الأقصر أن بعض البلدان الأجنبية كانت تقدم هدايا وجزية إلى الملوك المصريين، تضمنت حيوانات نادرة مثل الفهود والنمور والدببة والقرود والزرافات، في مشاهد تعكس مدى التنوع الحيواني الذي وصل إلى مصر القديمة.
ويرى الباحثون أن هذه الشواهد الأثرية والنقوش التاريخية تشير بوضوح إلى وجود أماكن مخصصة داخل ملحقات المعابد والقصور الملكية للاحتفاظ بالحيوانات والطيور النادرة، وهي أماكن يمكن اعتبارها النواة الأولى لفكرة حدائق الحيوان التي عرفها العالم بعد ذلك بآلاف السنين، لتبقى الحضارة المصرية القديمة سبّاقة حتى في علاقتها بعالم الحيوان والطبيعة.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







