«دولة التلاوة»

ملحمة قرآنية تتوج بإعلان الفائزين فى موسمها الأول

ملحمة قرآنية تتوج بإعلان الفائزين فى موسمها الأول
ملحمة قرآنية تتوج بإعلان الفائزين فى موسمها الأول


أحمد عدوى

منذ اللحظة الأولى التى أُعلن فيها عن تدشين البرنامج التليفزيونى «دولة التلاوة»، وقبل حتى أن يبث الإعلان الترويجى الرسمى له بشكل مكثف، تصدر الحديث عنه منصات التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام المختلفة، حيث سادت حالة من الترقب الواسع والاهتمام الملحوظ فى الأوساط الثقافية والدينية والإعلامية، فقد شعر كثيرون أن البرنامج يمثل عودة حقيقية للاهتمام بفن التلاوة بوصفه أحد أعمدة الهوية الروحية والثقافية فى مصر، البلد الذى عرف عبر تاريخه الطويل بمدرسته العريقة فى قراءة القرآن الكريم، والتى أنجبت أعلامًا تركوا بصمات خالدة فى وجدان الأمة الإسلامية.

ومع اقتراب موعد عرض الحلقات، ازداد شغف الجمهور، خاصة أن القرآن الكريم يحتل مكانة سامية فى نفوس المصريين، إذ لا يكاد يخلو بيت من صوت قارئ يتلو آيات الذكر الحكيم، سواء عبر الإذاعة أو التلفزيون أو المنصات الرقمية، لذلك رأى كثير من المتابعين فى «دولة التلاوة» خطوة مهمة لإعادة تسليط الضوء على جماليات الأداء القرآنى، وتعريف الأجيال الجديدة بأصول هذا الفن القائم على العلم والانضباط والروحانية فى آنٍ واحد.
وعندما انطلقت الحلقة الأولى فى الرابع عشر من نوفمبر 2025، جاءت البداية قوية ومنظمة، ففاجأ البرنامج الجمهور بمستوى احترافى عالٍ فى الإعداد والتقديم والإخراج، فضلًا عن جودة الأصوات المشاركة، ولم تقتصر الإشادات على الداخل المصرى فحسب، بل امتدت إلى العديد من الدول العربية والإسلامية، حيث عبر متابعون ومتخصصون عن إعجابهم بالفكرة وبآلية التنفيذ، معتبرين البرنامج نموذجًا يحتذى به فى تقديم المحتوى الدينى بأسلوب معاصر يجمع بين الأصالة والتجديد.
واليوم يسدل الستار على الموسم الأول من «دولة التلاوة» بإعلان أسماء الفائزين، بعد مسيرة تنافسية طويلة اتسمت بالجدية والشفافية والالتزام بالمعايير العلمية الدقيقة، فقد مر المتسابقون بعدة مراحل تصفية، بدأت بتقديم الطلبات إلكترونيًا وحضوريًا، ثم اختبارات مبدئية لقياس مستوى الأداء وسلامة الأحكام، وصولًا إلى مراحل أكثر تقدمًا ركزت على دقة المخارج، وضبط المقامات، والقدرة على إيصال المعنى بروح خاشعة مؤثرة.
ومن جانبه، أوضح د. أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، أن عدد المتقدمين للبرنامج بلغ نحو 14 ألف متسابق من مختلف محافظات الجمهورية، وهو رقم يعكس حجم الإقبال والثقة فى البرنامج، وتم توزيع المتقدمين على سبع محافظات مركزية لإجراء التصفيات الأولية وفق معايير موحدة تضمن تكافؤ الفرص بين الجميع، وأسفرت تلك المرحلة عن اختيار 300 متسابق، خضعوا لبرامج تدريب وتأهيل مكثفة داخل أكاديمية الأوقاف الدولية، حيث تلقوا توجيهات علمية وعملية على أيدى نخبة من علماء القراءات وأساتذة التجويد والمتخصصين فى علوم الصوت.
وأضاف الوزير أن عملية التقييم لم تعتمد على الجانب الصوتى فقط، بل شملت فهم المعانى، والالتزام بآداب التلاوة، والقدرة على التأثير الإيمانى فى المستمعين، وبعد مراحل متتالية من الاختبارات الدقيقة، تم اختيار 32 متسابقًا تأهلوا إلى المراحل النهائية، قبل أن يحسم الاختيار فى خمسة متسابقين فقط يمثلون خلاصة التجربة وأفضل ما أفرزته المنافسة.. وأكد وزير الأوقاف أنه تم تشكيل لجنة تحكيم مكونة من تسعة أعضاء من كبار المتخصصين فى علوم القرآن والقراءات والمقامات، للاستماع بعناية إلى تسجيلات المتسابقين الخمسة، وتحليل أدائهم من مختلف الجوانب الفنية والعلمية، ثم تدوين النتائج فى مظروف مغلق يُعلن على الهواء مباشرة أمام الشعب المصرى، ترسيخًا لمبدأ الشفافية والحياد الكامل.
كما أشار إلى أن الوزارة بدأت بالفعل الاستعدادات لإطلاق الموسم الثانى عقب شهر رمضان المبارك، استجابةً لنجاح الموسم الأول وتفاعل الجمهور معه، إلى جانب العمل على إطلاق برامج مشابهة مثل «دولة الإنشاد» و«دولة الفصحى»، بهدف اكتشاف ورعاية المواهب فى مجالى الإنشاد الدينى واللغة العربية، وتعزيز الدور الثقافى لمصر فى محيطها العربى والإسلامي.
ومن جهته، أكد الشيخ أحمد نعينع، شيخ عموم المقارئ المصرية وعضو لجنة التحكيم، أن مشاركته فى البرنامج كانت تجربة ثرية ومهمة، لأن «دولة التلاوة» لا يتعامل مع التلاوة بوصفها أداءً صوتيا فحسب، بل باعتبارها علمًا له أصول وقواعد، وفنًا يحتاج إلى إحساس مرهف واتزان فى استخدام المقامات، وأوضح أنه حرص خلال التقييم على مراعاة سلامة مخارج الحروف، وإحكام أحكام التجويد، ودقة الوقف والابتداء، فضلًا عن حضور المعنى فى الأداء دون تكلف أو مبالغة.
وأشار نعينع إلى أن الهدف الأساسى لم يكن استبعاد المتسابقين، بل تقويمهم وتوجيههم نحو الأفضل، مؤكدًا أنه لمس مواهب حقيقية تبشر بمستقبل واعد لفن التلاوة فى مصر، وأن مثل هذه البرامج تعيد للقرآن مكانته فى المجال العام، وتشجع الشباب على التمسك بالقيم الروحية والارتقاء بالذوق السمعى.
بدوره، أشاد القارئ المعتمد بالإذاعة والتلفزيون هانى الحسينى بتجربة البرنامج، مؤكدًا أنه ترك أثرًا بالغًا فى نفوس المشاهدين، وأسهم فى إبراز أصوات متميزة تمتلك قدرات عالية فى الأداء القرآنى، وأضاف أن القرآن الكريم كتاب هداية ورحمة، فإذا أُحسن تلاوته وتدبره رقت القلوب واطمأنت النفوس، مشددًا على أن التلاوة ليست لونًا من ألوان الغناء، بل عبادة قائمة على الخشوع والفهم والتدبر، وهو ما حرص عليه البرنامج منذ بدايته.
أما د. حسن عماد مكاوى، عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، فقد أوضح أن الإعلام فى حاجة ماسة إلى مثل هذه البرامج الهادفة التى تجمع بين القيمة الدينية والاحتراف الإعلامى، مؤكدًا أن «دولة التلاوة» قدم نموذجًا مشرفًا لمحتوى راقٍ يخاطب العقل والوجدان معًا، وأضاف أنه يتمنى استمرار التجربة وتطويرها فى المواسم المقبلة، وأن نشهد مبادرات إعلامية مماثلة تعزز الهوية الثقافية والدينية، وتسهم فى بناء وعى مجتمعى مستنير قائم على المعرفة والاعتدال.
وبذلك يكون الموسم الأول من «دولة التلاوة» قد نجح فى ترسيخ حضوره كأحد أبرز البرامج الدينية المتخصصة، جامعًا بين التنافس الشريف، والتأصيل العلمى، والرسالة الروحية السامية، ومؤكدًا أن مصر ستظل منارة مضيئة فى خدمة القرآن الكريم وعلومه عبر الأجيال.