الشرقية - إسلام عبدالخالق
لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا كثيرًا عن غيره في إحدى العزب التابعة لقرية المناجاة الكبرى أقصى شمال مركز الحسينية على أطراف محافظة الشرقية، حيث تتشابه البيوت الصغيرة المتلاصقة، وتتشابك تفاصيل الحياة اليومية بين الجيران الذين اعتادوا معرفة أحوال بعضهم البعض، وفي ذلك المكان كانت تعيش «شيرين»، امرأة في الحادية والثلاثين من عمرها، بدت في نظر الكثيرين مثل أي أم شابة تحاول إدارة حياتها بين مسئوليات البيت وتربية أبنائها، لكن خلف هذا المشهد العادي كانت هناك قصة أكثر تعقيدًا، قصة انتهت بمأساة هزت كل من عرفها أو سمع بما حدث.
"شيرين" كانت أمًا لطفلتين؛ الأولى تُدعى «رنا»، تبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، فتاة في بداية مرحلة المراهقة، تعيش سنواتها المدرسية وتتابع حياتها بين المدرسة والبيت مثل أي فتاة في سنها، أما الطفلة الثانية فهي «نورهان»، رضيعة لم يتجاوز عمرها أربعة أشهر فقط، جاءت إلى الحياة منذ فترة قصيرة لتصبح أصغر أفراد الأسرة، وتحمل معها آمالًا وأحلامًا كثيرة لأمها وأسرتها.
حياة «شيرين» لم تكن تسير بسهولة كما يبدو من الخارج؛ فبحسب ما قاله بعض أفراد أسرتها والجيران المقربين، كانت تعاني منذ فترة من اضطرابات نفسية ملحوظة، لم يكن الأمر مجرد توتر عابر أو ضغوط يومية، بل حالة استدعت متابعة طبية مستمرة؛ إذ كانت تخضع للعلاج لدى طبيب مخ وأعصاب في محاولة للسيطرة على حالتها.
يقول مقربون من الأسرة: إن «شيرين» كانت تمر أحيانًا بحالات من الاضطراب والانفعال غير المبرر، ثم تعود بعد ذلك إلى هدوئها المعتاد، وكأن شيئًا لم يحدث، كانت الأسرة تحاول احتواء الأمر قدر الإمكان، مع متابعة حالتها طبيًا على أمل أن تتحسن مع الوقت، خاصةً بعد ولادة طفلتها الثانية.
ولادة «نورهان» قبل أربعة أشهر كانت حدثًا مهمًا في حياة الأسرة، لكن البعض لاحظ أن «شيرين» لم تكن في أفضل حالاتها بعد الولادة. ورغم أن مثل هذه الفترات قد تكون صعبة على كثير من الأمهات بسبب الإرهاق والتغيرات النفسية والجسدية، إلا أن ما كانت تمر به «شيرين» بدا مختلفًا في نظر من حولها، ورغم ذلك، لم يتخيل أحد أن تصل الأمور إلى ما حدث في مساء الثلاثاء، الذي تحول إلى يوم مأساوي في حياة الأسرة كلها.
في ذلك اليوم، كانت الأجواء داخل المنزل تبدو عادية في ظاهرها، الرضيعة الصغيرة كانت نائمة على سرير والدتها، ملفوفة في ملاءة السرير، بينما كانت الأم «شيرين» تتحرك في المنزل كعادتها، لم يكن هناك ما يوحي بأن كارثة على وشك الوقوع، لكن في لحظة غير مفهومة بالنسبة لكل من حاول لاحقًا تفسير ما حدث، اتخذت الأم قرارًا صادمًا حين اقتربت من السرير حيث ترقد صغيرتها الرضيعة، ثم رفعت الملاءة التي كانت الطفلة مستلقية عليها، ولفتها بها.
خرجت «شيرين» من المنزل وهي تحمل الطفلة داخل تلك الملاءة، واتجهت نحو مكان قريب تُلقى فيه القمامة، لا يبعد سوى أمتار قليلة عن المنزل، وفي تلك اللحظات لم يكن أحد من الجيران يدرك ما الذي يحدث، إذ بدت كأي شخص يخرج لإلقاء شيء في القمامة، لكن ما حدث بعد ذلك كان صادمًا إلى حد يصعب تصديقه؛ إذ ألقت الأم الملاءة التي كانت بداخلها الطفلة الصغيرة داخل كومة القمامة، ثم أشعلت النار فيها.
اشتعلت النيران في القمامة، بينما كانت الطفلة الرضيعة بداخلها، لم يكن هناك من يتخيل أن طفلة في عمر أربعة أشهر يمكن أن تكون داخل تلك النار التي بدأت تلتهم القمامة ببطء، وبينما تشتعل النيران في القمامة الهشة وتأكل قماش الملاءة التي تحوي الصغيرة عادت «شيرين» إلى منزلها وكأن شيئًا لم يحدث.
غياب الطفلة وبلاغ
داخل المنزل، كانت الطفلة الكبرى «رنا» موجودة، فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، لم تعرف أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب بعد دقائق قليلة؛ فما أن مر بعض الوقت حتى لاحظت غياب شقيقتها الصغيرة، الرضيعة التي اعتادت سماع صوتها أو رؤيتها بالقرب من أمها لم تكن موجودة في مكانها المعتاد، واقتربت من والدتها وسألتها سؤالًا بسيطًا، لكنه كان كافيًا ليكشف عن جزء من الحقيقة،
سألتها: "فين نورهان يا ماما"؟!
كان رد الأم صادمًا وغريبًا في الوقت نفسه؛ قالت لابنتها الكبرى إنها لم ترها، ثم أضافت جملة بدت غير مفهومة: "أنا لقيت فار ريحته مش حلوة، رميته في الزبالة وولعت فيه"!
لم تدرك الطفلة في البداية معنى هذه الكلمات، لكن سرعان ما بدأت الأمور تتكشف تدريجيًا، لكنها دون أن تحاول تفسير كلمات والدتها هرولت صوب مكان القمامة لتلاحظ أن النيران بالفعل مشتعلة، لكنها حين اقتربت خطواتها لاحظت ملاءة السرير، وحين دققت كان المشهد فوق احتمال حداثة سنها: شقيقتها الرضيعة قد احترق أغلب جسدها وتفحمت رأسها، هنا فقط تكشفت الحقيقة المفزعة، وتبين أن «الفأر» الذي زعمت الأم رؤيته لم يكن سوى صغيرتها الرضيعة وقد فارقت الحياة داخل تلك القمامة التي اشتعلت فيها النيران.
سرعان ما تحولت الصدمة إلى حالة من الذهول بين الجيران الذين لم يستطيعوا استيعاب ما حدث، كيف يمكن لأم أن تفعل ذلك بطفلتها الرضيعة؟، وكيف يمكن أن تقع مثل هذه الجريمة في مكان هادئ يعرف فيه الجميع بعضهم البعض؟، إلا أن صدمة الجيران سبقها إبلاغ الشرطة فور رؤية الطفلة جثة أختها وقد تفحمت.
على الفور، انتقلت الأجهزة الأمنية إلى مكان الواقعة للوقوف على تفاصيل ما حدث، وبعد جمع المعلومات الأولية وسماع أقوال الشهود، تم ضبط الأم المتهمة واقتيادها إلى مركز الشرطة للتحقيق معها في الواقعة.
وخلال التحقيقات، جرى توثيق ملابسات الحادث بالكامل، بدءًا من خروج الأم من المنزل وهي تحمل الطفلة داخل الملاءة، وصولًا إلى إشعال النار في القمامة وعودتها إلى المنزل.
الواقعة سرعان ما تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا صدمة، ليس فقط بسبب بشاعة ما حدث، ولكن أيضًا بسبب الأسئلة الكثيرة التي أثارتها حول الحالة النفسية للأم ودورها في ارتكاب الجريمة، وبعد تحرير محضر بالواقعة، والذي حمل رقم 978 إداري مركز شرطة الحسينية لسنة 2026، تم عرض المتهمة على النيابة العامة لمباشرة التحقيقات.
التحقيقات أفادت بأن الأم المتهمة «شيرين. ع»، ربة منزل تبلغ من العمر 31 عامًا، قد حملت ابنتها الطفلة «نورهان»، رضيعة عمرها نحو أربعة أشهر، وألقت بها في القمامة بالقرب من منزل الأسرة، قبل أن تضرم النيران في القمامة وبداخلها ابنتها، ما تسبب في وفاة الصغيرة وتفحم جثتها.
اقرأ أيضا: أب يحاول قتل نجله بسبب 10 جنيهات
الأم المتهمة أكدت خلال التحقيقات؛ أنها كانت ترى ابنتها في هيئة «فأر»، قبل أن تشير إلى أنها كانت تخاف منها وألقت بها في القمامة وأشعلت النيران ظنًا بأنها الفأر الذي تخافه وتخشاه.
والدة المتهمة أفادت بأن ابنتها كانت تعاني منذ سنوات من اضطرابات جعلتهم يستعينون بأحد الأطباء في تخصص المخ والأعصاب، لكن ما جرى كان صدمة للجميع، وهو ما أكده كذلك زوج المتهمة، الذي أشار إلى أنه تلقى نبأ ما حدث وهو في عمله بعيدًا عن القرية.
النيابة بدورها استمعت إلى أقوال عدد من الشهود وأفراد الأسرة، كما اطلعت على المعلومات المتعلقة بالحالة الصحية والنفسية للمتهمة، ومع تزايد المؤشرات التي تشير إلى معاناة الأم من اضطرابات نفسية، اتخذت النيابة قرارًا بحبسها على ذمة التحقيقات، قبل أن تصدر قرارًا آخر أكثر أهمية يتعلق بتقييم حالتها العقلية؛ إذ أمرت بإيداع المتهمة في مستشفى الأمراض العقلية والنفسية بالعباسية، وذلك لمدة خمسة وأربعين يومًا تحت الملاحظة، لبيان مدى سلامة قواها العقلية والنفسية وقت ارتكاب الجريمة.
نجوم الفن فى مهمة دعم المنتخب
الأم: طليقى خطف بنتى منذ ولادتها ولم أرها حتى الآن
صرخة أب: حماتي حرمتني من رؤية طفلتي بعد وفاة زوجتي





