قلب مفتوح

خيارات شمشون!

هشام عطية
هشام عطية


 لم يعد استشراف مستقبل الصدام المحتدم فى الشرق الأوسط بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى رهينًا بقوة السلاح وموازين القوة العسكرية وحدها، بل بات أسير شبكة معقدة من الحسابات الاقتصادية والسياسية، تجعل استمرار هذه الحرب أقرب إلى خيار شمشونى قد يهدم المعبد فوق رؤوس الأمريكان والصهانية قبل أن يمس الإيرانيين، بل إن بعض التحليلات فى الصحف الغربية تحذر من احتمال تحول إيران إلى فيتنام جديدة تستنزف القوة الأمريكية فى حرب طويلة بلا أفق.

فى أدبيات علم السياسة، كثيرًا ما يشار إلى أن شخصية القائد تترك بصمة عميقة فى رسم السياسة الخارجية. ومن هذه الزاوية يمكننا القول إن ترامب الذى يدير السياسة بعقلية رجل الأعمال ومنطق الصفقة الرابحة لا يمكنه الاستمرار فى هذه المقامرة. فحرب تكلف الخزينة الأمريكية مليار دولار يوميًا، وترفع أسعار الوقود على المواطن بأكثر من ١٨%، ليست صفقة مربحة يسهل تسويقها لرجل اعتاد حساب الربح والخسارة. ومع انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، تتحول كلفة الحرب إلى عبء سياسى ثقيل يهدد الجمهوريين بخسارة مؤلمة، وهو ثمن يصعب على ترامب «التاجر» قبوله أو الاستمرار فى دفعه حتى لو تحت ضغوط الصهاينة.

غير أن القلق الأكبر فى واشنطن لا يتعلق بالكلفة الاقتصادية وحدها، بل بطبيعة الحرب نفسها. فإيران، بما تمتلكه من عمق جغرافى واسع وشبكة حلفاء إقليميين وقدرات صاروخية متنامية، قادرة على تحويل أى مواجهة مباشرة إلى حرب استنزاف طويلة. وهنا يبرز شبح المقارنة التاريخية مع فيتنام، التى خرجت منها أمريكا مثقلة بالخسائر السياسية والعسكرية والمعنوية.

على الجانب الآخر، تكشف الصحافة العبرية أن إسرائيل نفسها تدفع فاتورة متصاعدة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار أسبوعيًا، بينما يترنح اقتصادها تحت وطأة شلل أصاب قطاعات حيوية، وفى مقدمتها قطاع التكنولوجيا الذى يمثل أساس نهضتها. 

أما العامل الاقتصادى العالمى فيزيد المشهد تعقيدًا. فالتوتر العسكرى عطل نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، ودفع الأسعار فوق مائة دولار للبرميل، مهددًا العالم بموجة تضخمية جديدة. ومع تآكل احتياطى الطاقة الفائض، بات أى اضطراب إضافى كفيلًا بإشعال الأسواق.


فى ضوء هذه المعطيات، ترسم مراكز الفكر الغربى سيناريوهين رئيسيين: الأول «النصر المر»، حيث تحقق إسرائيل نجاحًا عسكريًا محدودًا يقابله تآكل الدعم الأمريكى. والثانى إنهاء سريع للقتال قبل أن تتحول إيران إلى مستنقع استنزاف طويل.

وهكذا تبدو الصورة، حرب بدأت بضربات عسكرية، لكنها ستضع أوزارها على طاولة الحسابات الاقتصادية والضغوط السياسية. فعندما تصبح الكلفة أعلى من العائد، تتحول الحرب إلى صفقة خاسرة، لتكون المعركة الحاسمة فى النهاية على جبهة الدبلوماسية، لا فى سماوات النار وميادينها.