قد تبدو الكعكة اليوم حلوى عادية تُقدم في المناسبات وأعياد الميلاد، لكن تاريخها يعود إلى آلاف السنين، حين كان المصريون القدماء أول من أتقن فن الخَبز وابتكروا الأفران وطرق إعداد الخبز المحلّى بالعسل.

اقرأ أيضا | المؤتمر: كلمة الرئيس في يوم الشهيد تؤكد أن تضحيات الأبطال هي أساس قوة الدولة
ومن تلك البدايات البسيطة تطورت الكعكة عبر الحضارات المختلفة، لتتحول مع مرور القرون إلى واحدة من أشهر الحلويات في العالم.
يرجع تاريخ صناعة الكعك إلى عصور سحيقة، حيث تشير الدراسات إلى أن المصريين القدماء كانوا من أوائل الشعوب التي مارست فن الخَبز وطورت تقنياته، فقد صنعوا أنواعاً مختلفة من الخبز باستخدام الدقيق الخشن والعسل والفواكه، وكان بعضها يشبه ما نعرفه اليوم بالكعك، إذ كان الخبز يُحلى بالعسل ليصبح أقرب إلى الحلوى.

وقد لعب المصريون دوراً مهماً في تطوير تقنيات الطهي وصناعة الأفران، وهو ما ساعد على إنتاج أنواع متعددة من الخبز والحلويات، وتظهر مشاهد صناعة الخبز ومكوناته بوضوح في الرسومات الجدارية التي اكتُشفت داخل العديد من المقابر المصرية القديمة، حيث وثّق الفنانون آنذاك مراحل إعداد الطعام والخبز.
ومع مرور الوقت، انتقلت تقنيات الخَبز من مصر إلى حضارات أخرى، ففي القرن الخامس الميلادي بدأت هذه الأساليب تنتشر في اليونان وروما، حيث تطورت وصفات الخبز المحلّى تدريجياً، ومع توسع التجارة في العصور الوسطى، خاصة في القرن العاشر الميلادي، بدأ السكر يتدفق إلى أوروبا عبر إيطاليا، وهو ما أحدث تحولاً كبيراً في صناعة الكعك، إذ أضيف السكر إلى الوصفات ليمنحها مذاقاً أكثر حلاوة.
وفي إنجلترا خلال القرن الثالث عشر، ظهر مصطلح "كعكة" لأول مرة، وهو مشتق من الكلمة الإسكندنافية القديمة "كاكا"، ومع ذلك، لم يكن الكعك آنذاك شائعاً بين عامة الناس، بل كان يُعد طعاماً خاصاً بالملوك والنبلاء بسبب ارتفاع تكلفة مكوناته.
أما في أوروبا خلال العصور الوسطى، فقد ارتبط الكعك أيضاً ببعض المعتقدات الشعبية المتعلقة بأعياد الميلاد، إذ كان يُعتقد أن يوم الميلاد قد يجلب الأرواح الشريرة، لذلك كان الأصدقاء والأقارب يجتمعون حول صاحب العيد للدعاء له وتقديم الكعك كنوع من الاحتفال والحماية الرمزية.
وشهدت صناعة الكعك تطوراً كبيراً في القرون اللاحقة، خاصة في فرنسا، حيث ساهم طهاة الحلويات في ابتكار وصفات جديدة أكثر تنوعاً، مثل كعكات الفاكهة باللوز التي ظهرت في القرن الثالث عشر. وفي القرن السابع عشر أُضيف البيض إلى وصفات الكعك، ما ساعد على تحسين قوامه ومذاقه، كما بدأت كعكات الكريمة تحظى بشعبية واسعة.
أما التحول الأكبر فجاء في القرن التاسع عشر مع ازدهار الصناعات الكيميائية في أوروبا، حيث أُدخلت بيكربونات الصوديوم ومسحوق الخبز في عملية التخمير، وهو ما ساعد على تسريع عملية الخَبز وجعل الكعك أكثر خفة وهشاشة.
وفي بداية القرن العشرين، ومع ظهور الأفران الكهربائية، تغيرت طريقة إعداد الكعك بشكل جذري. فقد ظهر أول فرن كهربائي عام 1905، ثم تطور عام 1916 ليصبح مزوداً بإمكانية التحكم في درجة الحرارة، وهو ما جعل عملية الخَبز أسهل وأكثر دقة.
وبفضل هذه التطورات، لم يعد الكعك حكراً على الطبقات الثرية كما كان في الماضي، بل أصبح متاحاً للجميع، وتحول إلى حلوى أساسية في المناسبات والاحتفالات حول العالم، محتفظاً في الوقت نفسه بجذوره التاريخية التي تعود إلى الحضارات القديمة، وعلى رأسها الحضارة المصرية.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







