مجدي أبو الخير يكتب: بيدرو.. ﻻ فُضّ فوك!

مجدي أبو الخير
مجدي أبو الخير


في موقفٍ استثنائي، جريء وصارم في آنٍ، رفضت إسبانيا -وعلى لسان رئيس حكومتها بيدرو سانشيز- السماح لأمريكا في عملياتها ضد إيران باستخدام القواعد العسكرية المشتركة على أراضيها؛ إذ توجد منها في جنوب إسبانيا قاعدتان (روتا ومورون)، وهما تشكلان جزءًا من الشبكة اللوجستية لحلف شمال الأطلسي في أوروبا؛ الأمر الذى أثار ردود فعل حادة على جانبي الأطلسي. 

موقف إسبانيا، والذي جدّفت فيه وحدها عكس التيار الغربي الداعم لأمريكا ظالمةً وظالمةً، ﻻ شك أنه قد أتى على ما كانت تشتهيه سفنُ ترامب ونتنياهو باعتبارهما هاتين القاعدتين إحدى النقاط والركائز الرئيسية في شنّ هجماتهما ضد طهران. ورغم أن الموقف الإسباني هذا لم يكن ليمرّ هكذا مرور الكرام إلا أن ردة الفعل الأمريكية إزاءه جعلت الجميع في حالة ترقب ﻻ سيما بعد أن أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزير خزانته (سكوت بيسنت) بقطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا. وفعلًا، لم ينتظر الجميع وقتًا طويلًا إذ خرجت المتحدثة باسم البيت الأبيض كاروﻻين لفيت إثر قرار ترامب هذا لتعلن، وفي مؤتمر صحفي رسمي، أن إسبانيا قد وافقت على التعاون مع الجيش الأمريكي في الحرب على إيران مؤكدةً أن تفاصيل ذلك التعاون لم تُعلن بعدُ. فما كان من إسبانيا من فورها، وعلى لسان وزير خارجيتها خوسيه مانويل ألباريس، إلا أن نفت ذلك وبشكل قاطع، مؤكدة أن موقف الحكومة الإسبانية في الشرق الأوسط، ومن استخدام القواعد العسكرية ثابت لم يتغير. وهو ما أكده سانشيز ﻻحقًا -في خطاب متلفز- من أن الحوار والدبلوماسية هما الطريق الأمثل لحل النزاعات، وأن السياسة الإسبانية لن تتغير تحت التهديدات الخارجية، بما في ذلك تهديدات قطع التجارة. رافضًا تكرار أخطاء الماضي، والتلاعب بمصائر ‌الملايين. ومشيرًا إلى أن هذا الهجوم لن يؤدي إلى نظام دولي أكثر عدلاً، مؤكدًا أن إسبانيا لن تتواطأ، ولن تكون شريكة في أي عملٍ يضر العالم، ويتعارض مع قِيمها ومصالحها، فقط خشية الانتقام. وثمة بُعدٌ آخر في نفي إسبانيا تصريحات لفيت كونه دليلًا، يُضاف إلى أدلة لا حصر لها، على كذب هذه الإدارة، وبشكل رسمي، آخرها كذب ترامب وادعاؤه من على متن طائرته الرئاسية بأن إيران هي التي قصفت مدرستها الابتدائية للفتيات في محافظة هرمزغان الإيرانية، والتي قضت فيها نحبَها نحو (170) فتاة، وذلك بسبب ذخائرها غير الدقيقة، حسب زعمه، نافيًا أن تكون الهجمات الأمريكية الإسرائيلية هي السبب. وهو ما ذهب إليه، كذبًا، وزير حربه بيت هيغسيث، والذي كان بجواره، مؤكدًا أن إيران هي التي تستهدف المدنيين، وليست أمريكا أو إسرائيل.

 ومع أن ستارمر، المحامي ورجل القانون، قد صرح بدايةً بعدم مشاركة بريطانيا في تلك الحرب حدّ انتقاد ترامب وتوبيخه له، معبرًا عن استيائه من موقفه المتردد هذا، وأنه غير سعيد بأداء بريطانيا حدّ قوله، وفي إهانة سياسية مبطنة تشكك في مستوى قيادة ستارمر، مقارنة بزعماء بريطانيين سابقين: هذا ليس تشرشل الذي نتعامل معه. إلا أن ستارمر ربما تخلى عن تردده الرافض لتلك الحرب غير القانونية -كما ألمح في خطابه أمام مجلس العموم البريطاني بعدم تكرار خطأ حرب العراق- إلى الانخراط فيها شيئا فشيئا، وذلك بإعلانه عن إرسال أربع مقاتلات من طراز تايفون إلى المنطقة تحت زعم حماية مصالح بريطانيا والحلفاء. موقف يشابه موقف فرنسا هي الأخرى؛ إذ أعلنت عن عدم مشاركتها فيها بداية إلا أن ماكرون قد أعلن عن نشره لمقاتلات نووية في المنطقة تحت نفس الذريعة. مارك كارني رئيس وزراء كندا، ورغم قناعته بعدم قانونية تلك الحرب إلا أنه وللأسف سوف يدعمها، حسب قوله، مؤكدًا أنه ﻻ يستعبد مشاركة بلاده العسكرية فيها التزامًا منها بدعم الحلفاء. ألمانيا نفس الوُجهة، وغيرهم إلا إسبانيا ظلت كما هي، لم تفقد بوصلتها القِيمية والأخلاقية، ثابتة على موقفها، لا يفتُر حماسها، وﻻ يلين جانبها لتنحو نحو هؤلاء اللصوص. وظل فارسها سانشيز حتى تاريخه فارسًا شهمًا وسط عتمة الظلم الغربي. فهل تُراه يصمُد؟!

موقف سانشيز الشهم هذا ليس بغريبٍ عليه إذ رأيناه، وفي اجتماعٍ للناتو في واشنطن (يوليو 2024م)، وفي خطابِ فارسٍ نبيلٍ يطالب الغرب بعدم اتباع سياسة الكيل بمكيالين في حربي غزة وأوكرانيا. معتمدًا المنطق السليم في رأيه المحترم هذا، قائلًا: " إذا قلنا لشعبنا إننا ندعم أوكرانيا لأننا ندافع عن القانون الدولي فيتعيّن علينا أن نفعل الشيء نفسه في غزة، وإذا كنا نطالب باحترام القانون الدولي بأوكرانيا فيجب علينا أيضًا أن نطالب باحترامه في غزة ". قالها لهم، وبينما كانت وقتها شحنات السلاح الأمريكية وغيرها لقتل أطفال الفلسطينيين ونسائهم وشيوخهم على أشدها.

 سانشيز المحترم لم يكتف بهذا وإنما كان -وفي خطواتٍ ملموسةٍ على الأرضٍ- مناصرًا للحق الفلسطيني، مدافعًا دومًا عن الفلسطينيين ضد الهجمة البربرية الصهيوأمريكية رغم استفزازت الكيان لإسبانيا، حكومةً وشعبًا، دون أن تفتُر عزيمته في ذلك لحظةً، وحتى تاريخه؛ بدءًا من مؤتمره الصحفي عند معبر رفح دعمًا لها (يناير2025م). وثانيًا قاد حملة للاعتراف بفلسطين دولة على حدود (1967م)، وعاصمتها القدس الشرقية كُلّلت باعتراف ثلاث دول أوربية ( إسبانيا والنرويج وأيرلندا )، وعلى لسان رؤساء حكوماتهم بصفةٍ رسمية في آنٍ واحدٍ (28مايو2825م)، وفي تنسيقٍ بديعٍ استثنائي نزل كصاعقة السماء على قفا الصهاينة، وصفعة لم تُفلح معها وقتها تهديداتُ واستفزازاتُ إسرائيل لثلاثتهم. وتمنع حكومته كذلك عبور سفينة شحن محملة بالمتفجرات (27 طنًّا) كانت متجهة إلى الكيان (مايو2025م)، إثر جلسةٍ للبرلمان الإسباني أقرّ فيها قرارًا يُحظر بموجبه تصدير السلاح، وكل ما يمكن استخدامه عسكريًّا، إلى إسرائيل. جلسة علت فيها الفرحة والبهجة وجوه أعضاء البرلمان لحظة اتخاذها قرارهم هذا. وشعبيًّا نرى مدرب كرة القدم الإسباني (جوارديولا) يمتنع عن مصافحة صهيوني في حفل منصة تكريم. ولا عجب في كل ذلك فإنها إسبانيا راعية اتفاق مدريد للسلام (1991م)، والتي ربما تأكد لها بعد مضيّ كل هذه السنوات أنها أمام كيانٍ عدوّ للسلام، وللإنسان والحيوان وطير السماء وحتى الهوام؛ فاتخذت موقفها هذا.

وبعيدًا عن كل ما سبق، وعن أيّةِ تحليلاتٍ أو تصريحاتٍ سياسيةٍ في الأمر أو توجّهاتٍ إلا أنني ولعاطفةٍ تملؤني دومًا تجاه إسبانيا حلّقتُ بعيدًا لِسَبْر أغوار ذلك الموقف النبيل، وتلمّس أسبابه ليس لبيدرو وحده، وإنما لإسبانيا حكومةً وشعبًا، وقلت في نفسي لعله ورغم تباعد الزمان بقرونٍ، والمكان بآلاف الكيلومترات، بعضُ ثمار غِراس أمّتنا الطيّب في إسبانيا لعقودٍ ثمانية. لعله جميلُ صنيعٍ لأمتنا تناقلته نطفُ الرجال وأرحامُ النساء جيلًا بعد آخر لنتعلقَ به اليوم تعلّق الغريق، وكما يُقال بقشّةٍ، وقد عزّ الناصر والمغيث، واستوحش اللص وعربد. لعله حنينُ كلٍّ منّا لاشعوريًّا للآخر لحُسن عِشرةٍ وجوارِ وقُربى مدةَ قرونٍ من الزمان .

وكأني في حديث بيدرو اليوم يردد مع مصر، ورغم الضغوط عليها، رفضها القاطع دومًا لكافة أشكال الظلم، وصور العدوان، ورفضها وبحسمٍ المشاركة فيها. مثلما ردّد معها من قبلُ عند معبر رفح رفضها ظلم الفلسطينيين، قتلًا وتجويعًا وتهجيرًا. بيدرو لك ولجوتيريش ورامافوزا وكريم خان ورئيسي أيرلندا والنرويج وكل أحرار العالم، رافضي الظلم على إطلاقه، دون تصنيفٍ له لغةً وجنسًا ومعتقدًا، التقدير كله والتوقير. حفظ الله مصر .