الأنبياء ليسوا إلا بشرًا اصطفاهم ربهم، إلا أن هذا الاصطفاء لا يمثل حائلًا دون اختبارهم، وكان هذا شأن سيدنا داود، كما شأن غيره من الأنبياء والرسل.. كان مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾، لكنه عبد من عباده، وسنة الله فى جميع خلقه الابتلاء والامتحان، وهذا ما حدث مع داود.
وقد سجل القرآن الكريم القصة التى أشارت إلى فتنته؛ إذ اجتاز خصمان سور محراب داود، ليعرضا عليه خصومتهما، طالبين إليه أن يحكم بينهما بالعدل، وأن يرشدهما إلى الطريقة المثلى بشأن ما شجر بينهما.
يقول تعالى: ﴿هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
لقد تعجل داود عليه السلام فى إصدار الحكم، وهنا كانت الفتنة أو الاختبار. وحتى قبل أن يصدر حكمه أصابه الفزع وهو فى محرابه، أى فى الحضرة الإلهية، وما كان ينبغى له أن يفزع وهو فى حضرة الخالق من أى مخلوق.
ثم إنه حكم لصالح أحد الخصمين قبل أن يستمع إلى الآخر، والأخطر أنه أدخل فى الحكم حيثية غير ذات صلة بأصل القضية؛ فالظلم وقع بأخذ نعجة تخص غيره، بغض النظر عن كون الآخر يملك نعاجًا كثيرة.
هنا أدرك داود أن الأمر برمته ما هو إلا اختبار إلهى، فسارع بطلب المغفرة من ربه، وانحنى راكعًا لله، وعاد إليه خاشعًا.
المسألة فى جوهرها أن ثمة تدبيرًا إلهيًّا لحكمة، كان غايتها وضع داود محل فتنة أو امتحان، لينتبه فيما بعد لكل ما يصدر منه أو عنه ولأنه استغفر وقبل الله توبته وإنابته، فكأنه اجتاز الاختبار رغم صعوبته، فارتفعت منزلته، وكان بعد التوبة أفضل منه قبلها.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







