«جامع المؤذي».. حكاية مسجد وحيّ

 القلعة والسيدة زينب
القلعة والسيدة زينب


في حيّ الصليبة، حيث تتجاور القلعة والسيدة زينب، وتتشابك الأزقة، يقف مسجد صغير يحمل اسمًا لافتًا: "جامع المؤذي".

اسم يٌثير الدهشة قبل أن يكشف عن واحدة من أغرب مفارقات التاريخ المملوكي، وعن حيٍّ شكًله الزمان على غير عجل، فصار نموذجًا نادرًا للتناقض المتآلف.

لما روي عن غالبية قادة العصر المملوكي - الذي بدأ في عام 1250 ممتدًا حتي العام 1817 ميلاديًا - من غلظة وقسوة حتي جنح الناس لاختيار ذلك الاسم إشارة إلى الأمير المملوكي المؤسس وبات في الذاكرة المصرية القديمة اسمًا قاسيًا على مسجد الأمير "تغر بردي" .

 

لكن الصليبة لم تكن يومًا مجرد منطقة عتيقة فحسب بل رقعة نابضة رصدت مساحات إنسانية جمّة ومتنوعة عادت لنحو سبعة قرون من ميدان القلعة حتى تخوم السيدة زينب، كما قد جمعت القادمين من مختلف أقاليم البلاد وأخرون أتوا من خارج البلاد الأجانب تارات أخرى وعادةً ما كانت تلك المنطقة مسرحًا ذا زخم يجمع ما بين طلبة الأزهر وأبناء الأقاليم  وأناسًا فرقهم الأصل وجمعتهم القاهرة.

كادت الفوارق في تلاش، واشتبهت وتعددت الحكايات، وصار المكان شاهدًا على قدرة القاهرة على سعة الصدر المحتفية بشتى الناس على اختلاف عوائدهم الذهنية أو الدينية غيرها.

وسط هذا المشهد، يطل المسجد بباب متواضع تمرّ من أمامه أهالي ووافدين، دون أن يدرك كثيرون أن هذا البناء الصغير يعود إلى الأمير "تغري بردي الرومي"، أحد أمراء المماليك في القرن التاسع الهجري.

وقد عرف المسجد رسميًا باسمه، لكن العامة أطلقوا عليه لقب "المؤذى"، وهو لقب التصق بصاحبه قبل أن يلتصق بالحجر.

يروي السخاوي في "الضوء اللامع" أن تغري بردي كان واسع الثراء، بنى مدرسة ومسجدًا، وأوقف عليهما أوقافًا كثيرة، وأقيمت فيهما أول جمعة سنة 844 هجرية، غير أن حدّة طباعه جعلت الناس يعرفونه بالأذى، فخلّدوه بهذا الاسم القاسي.

 

المسجد نفسه يعد قطعة من الجمالٍ الصامت: إيوانان ( فضاء معماري مُهندس) ، ومحراب ومنبر، وصحن تتوسطه "شُخشيخة" زجاجية تنثُر الضوء، ونقوش قرآنية مُذهّبة، وضريح تعلوه قبة بيضاء.

 

هكذا، ظل «جامع المؤذي» شاهدًا على أن القاهرة لا تحفظ التاريخ كما هو، بل تعيد صياغته في ذاكرتها الشعبية، حيث تختلط العمارة بالحكاية، ويبقى الاسم أكثر صدقًا عن اللقب الرسمي.