"اصحى يا نايم وحد الدايم.. وقول نويت بكره إن حييت.. الشهر صايم والفجر قايم.. رمضان كريم"، تلك الكلمات، أبدع في كتابتها الشاعر الكبير فؤاد حداد، ولحنها وغناها سيد مكاوي، فأصبحت عنواناً لشهر رمضان، وتراثًا إسلاميًا لا يمكن تجاهله.
"الرجل تدب مطرح ما تحب ونا صنعتي مسحراتي في البلد جوال"، جسد ذلك الأداء الفني، مشهد الرجل الذي يسير في الشوارع في جوف الليل، لا يهاب الظلام، ولا يشفق من السكون، لا يطرق الأبواب، بل يطرق القلوب والذاكرة، يكسر صمت النيام بطبلة رنانة، مع صوته الذي يداعب الآذان "اصحى يا نايم وحد الدايم".
اقرأ أيضا|إقبال واسع على الجامع الأزهر في إحياء التراويح بالقراءات المتواترة
أكد د. محمود الحصري مدرس الآثار بجامعة الوادي الجديد، في حوار لجريدة "الأخبار"، أن المسحراتي ليس مجرد ظاهرة شعبية، بل هو تطور طبيعي لفكرة النداء الديني في الحضارة الإسلامية، حيث انتقلت وظيفة الإيقاظ من الأذان إلى الأداء الشعبي المنظم.
وكانت بداية ظهور المسحراتي من عهد النبوة، ولم تكن هناك طبلة، بل كان الاعتماد على الآذان، حيث كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذنان، بلال بن رباح وابن أم مكتوم، وكان بلال يؤذن قبل الفجر ليوقظ الناس ويخبرهم بأن وقت السحور قد حان، وعندما يؤذن ابن أم مكتوم، كان الناس يمسكون عن الطعام ويبدأون الصيام.
وأشار إلى أنه مع اتساع الحواضر الإسلامية، لم يعد الآذان وحده كافيا لإيقاظ الجميع، فكان عتبة بن إسحاق - والي مصر عام 238 هجريا، أول من اتخذ التسحير كوظيفة منظمة، ولاحظ أن الناس ينامون ويغفلون عن السحور، فقرر أن يخرج بنفسه سيرا على الأقدام من مدينة العسكر إلى جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وكان ينادي بصوته "عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة" ومن هنا بدأت المهنة تأخذ طابعا رسميا في شوارع القاهرة.
وفي بغداد تطور الأمر، وبدأ المسحراتية ينشدون قصائد زجلية وأشعارا شعبية لتشجيع الناس على الاستيقاظ، وكان أشهرهم "أبو نقطة" المسحراتي الخاص للخليفة الناصر لدين الله.
ويقول الحصري إن العصر الفاطمي شهد التحول الأكبر في شكل المسحراتي، ففي عهد الحاكم بأمر الله، أمر الناس بالنوم مبكرا بعد صلاة التراويح، وكان الجنود يطرقون الأبواب بعصى خشبية لإيقاظ السكان، وبعد ذلك تم استبدال طرق الباب بالعصا ب"البازة" "الطبلة الصغيرة" والتي أصبحت العلامة المسجلة للمسحراتي.
من جهته يقول خبير الآثار د.عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة أن مهنة المسحراتي كادت أن تندثر في المحروسة، إلى أن جاء العصر المملوكي، وتحديدًا في عهد السلطان الظاهر بيبرس، والذي عمل علي إحيائها كتراث إسلامي، ولتحقيق ذلك قام بتعيين صغار علماء الدين بالدق على أبواب البيوت، لإيقاظ أهلها للسحور، وبعد أكثر من نصف قرن، وتحديدا في عهد الناصر محمد بن قلاوون، ظهرت طائفة أو نقابة المسحراتية، والتي أسسها أبو بكر محمد بن عبد الغني، الشهير بـ"ابن نقطة".
وتابع "في الخمسينات، انتقل المسحراتي من الشارع إلى الراديو والتلفزيون، وقدم الثنائي فؤاد حداد "شاعر" وسيد مكاوي "ملحن ومغني، شخصية المسحراتي بأسلوب فني عبقري، واستبدل مكاوي الفرقة الموسيقية بالطرق على طبلة داخل الأستديو، ليحافظ على أصالة المهنة، وأصبحت كلماتها هي الدستور الذي يسير عليه كل مسحراتي الآن.. ويرى د.ريحان أن هذا الانتقال الإذاعي لم يلغ التراث، بل وثقه وخلده، وحول المسحراتي إلى أيقونة ثقافية عابرة للأجيال.
وأوضح ريحان أن مهنة المسحراتى لم تقتصر على الرجال، فهناك أيضاَ "المسحراتية"، ففى العصر الطولونى كانت المرأة تقوم بإنشاد الأناشيد من وراء النافذة في وقت السحور لتيقظ أهالي البيوت المجاورة لها.
وطالب ريحان أن توثيق هذه المهنة كتراث شعب مرتبط بالشهر الكريم تمهيدًا لتسجيله تراث عالمي ثقافيباليونسكو مع كل موروثات رمضان من أكلات شهيرة الكنافة والقطايف وأم علي، مع الاحتفاليات في منطقة الحسين والسيدة زينب والأحياء الشعبية.
وفي زمننا هذا، بين الساهرين وتعدد وسائل التنبيه الرقمية، يبقى المسحراتي الحارس الأمين لذاكرة ليالي رمضان، وحتى ان اختفت المهنة، يبقى أثرها في القلوب.
فسلام على من أيقظوا فينا النية، وجعلوا نداء "وحد الرزاق"، دعوة للمحبة والسكينة في كل بيت.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







