لم تكن مدينة حلب في القرن العاشر الميلادي مجرد مدينة عادية في أواخر العصر العباسي، بل كانت موطنًا لعقولٍ لامعة صنعت تاريخ العلم.
من بين هذه العقول برز اسم مريم الإسطرلابي، عالمة الفلك المسلمة التي استطاعت أن تترك بصمة علمية خالدة في تاريخ الحضارة الإسلامية، والتي نشرت صفحة مركز الأزهر العالمي للفتوى بعض المعلومات عنها بالتزامن مع اليومي العالمي لامرأة.
ولدت مريم في بيئة علمية؛ فوالدها كوشيار الجيلي كان من العلماء المهتمين بصناعة الآلات الفلكية، فشبت بين الكتب والأدوات العلمية.
تعلمت منذ صغرها علوم الفلك والرياضيات والهندسة، وأظهرت نبوغًا مبكرًا جعلها تتفوق في مجال لم يكن شائعًا أن تبرز فيع النساء آنذاك.
اقرأ أيضا|أستاذ الفقه بالأزهر: حسن الظن بالله من أعظم مقامات الإيمان
لم يتوقف طموحها عند حدود التعليم، بل وصلت إلى بلاط سيف الدولة الحمداني، مؤسس إمارة حلب، حيث عملت متخصصة في العلوم الفلكية وصناعة الآلات العلمية.
هناك أبدعت مريم ابتكارها الأشهر: الإسطرلاب المعقد؛ وهو أداة فلكية متطورة تساعد على تحديد مواقع الأجرم السماوية، وتُظهر شكل السماء في مكان وزمان محددين، وقد مثل هذا الابتكار نقلة علمية مهمة في عصره.
ولم يقتصر دور الإسطرلاب على دراسة النجوم فحسب، بل ساعد في تحديد أوقات الصلاة، ومعرفة اتجاه القبلة، والملاحة البحرية، وقياس ارتفاع النجوم، حتى إن بعض المؤرخين يرون أن فكرته كانت نواة علمية لآلات الملاحة الحديثة التي تطورت لاحقًا وصولًا إلى أنظمة تحديد المواقع مثل GPS.
رحلت مريم الإسطرلابي، لكن إرثها العلمي بقي شاهدًا على إبداع المرأة في الحضارة الإسلامية، وعلى أن العلم لم يكن حكرًا على الرجال، بل شاركت فيه نساء تركن أثرًا ما زال يُلهم الأجيال حتى اليوم.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







