لم يكن الجامع الأزهر عبر تاريخه، مجرد مسجد تقام فيه الصلوات، بل كان مدرسة كبرى مفتوحة الأبواب، يقصدها طلاب العلم من كل مكان.
بين أروقته نشأ نظام تعليمي فريد، سبق به الأزهر كثيرًا من المؤسسات التعليمية في العالم، عُرف باسم نظام "شيخ العامود".
نظام "التعليم الحر"
وبحسب المعلومات التي نشرتها صفحة الجامع الأزهر، في تلك الأزمنة كان التعليم في رحاب الأزهر يقوم على ما يمكن تسميته اليوم بـ "التعليم الحر"، حيث لم يكن الطالب مقيدًا بمنهج جامد أو أستاذ بعينه، بل كان له مطلق الحرية في اختيار الشيخ الذي يدرس على يديه، والعلم الذي يرغب في التعمق فيه، وحتى الكتاب الذي يقرأه ويتدارسه.
وكانت حلقات العلم تنشر بين أعمدة الجامع، يجلس عند كل عمود عالم من العلماء يحيط به طلابه، يتدارسون العلوم الشرعية واللغوية وغيرها.
وكان الطالب ينتقل بين هذه الحلقات بحرية، فينهل من علوم متعددة، ويجمع بين أكثر من فن، وهو ما أسهم في تخريج علماء وموسوعيين جمعوا بين معارف شتى.

لكل شيخٍ عامود
ومع مرور الوقت، أصبح لكل عالم من علماء الأزهر عمود ثابت، يجلس عنده لتدريس علم معين، حتى صار الطلاب يعرفون الأعمدة بأسماء أصحابها وعلومهم.
فتحول الجامع الأزهر إلى خريطة علمية حية؛ هذا عمود للفقه وذلك للحديث، وآخر للغة أو التفسير.
من الحلقات إلى النظام الحديث
وظل نظام شيخ العمود هو السمة الغالبة للتعليم في الأزهر حتى أوائل القرن العشرين، وتحديدًا عام ١٩٠٨م في عهد المشيخة الثانية للشيخ حسونة النواوي، حين بدأ الأزهر يشهد مرحلة جديدة من التطور والتنظيم الإداري.

فتم إنشاء مجلس أعلى لإدارة الأزهر برئاسة شيخ الأزهر وعضوية كبار العلماء، إلى جانب مفتي الديار المصرية وشيوخ المذاهب الفقهية، كما جرى تنظيم الدراسة وتقسيمها إلى ثلاث مراحل: الأولية، والثانوية، والعالية، مدة كل منها أربع سنوات، يحصل الطالب بعد اجتيازها على شهادة المرحلة.
وهكذا انتقل الأزهر من نظام الحلقات حول الأعمدة إلى نظام تعليمي أكثر تنظيمًا، لكنه ظل محتفظًا بروحه العلمية العريقة التي صنعت عبر القرون علماء أثروا الحياة العلمية في العالم الإسلامي.
فكانت أعمدة الأزهر، بحق منارات للعلم أضاءت دروب المعرفة لقرون طويلة.
اقرأ أيضا | حكايات |شيخ العامود حين صنع الأزهر نظامًا تعليميًا سبق عصره


«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







