السياحة تتألم| 23 مليون زائر و56 مليار دولار خسائر متوقعة

تصاعد الدخان من العاصمة القطرية الدوحة
تصاعد الدخان من العاصمة القطرية الدوحة


فى ضوء حرص مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، على متابعة ورصد وتحليل كل ما يرد داخل مراكز الفكر والمؤسسات الدولية ووكالات الأنباء الإقليمية والعالمية فيما يتعلق بتناولها لتداعيات الأحداث فى منطقة الشرق الأوسط للتعرف على مدى وأبعاد تأثيرها محلياً وعالمياً فى القطاعات التنموية المختلفة، سلط المركز الضوء على عدد من التقارير الدولية التى تحلل خسائر أسواق السياحة الإقليمية وسط التصعيد العسكرى وأبرز توقعات هذه التقارير لمرحلة التعافي.

اقرأ أيضًا| مصر تسجل تفاعلًا قياسيًا على TripAdvisor.. وارتفاع الاهتمام بالمقصد المصري 7%

أشار المركز إلى تقرير مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس البريطانية، والذى أشار إلى تسبب اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران فى إعادة تشكيل حركة السفر داخل الشرق الأوسط على نحو فوري، بعدما أدى إغلاق المجال الجوى فى عدة دول إلى إلغاء أكثر من خمسة آلاف رحلة خلال يومين فقط، وتسبب فى شلل شبه كامل لحركة الطيران الإقليمى والدولي.

وترافق ذلك مع تعثر عودة الرحلات المنتظمة؛ إذ تُمنح الأولوية لإجلاء العالقين فى مختلف الوجهات، سواء داخل المنطقة أو فى مسارات عبور معتادة بين أوروبا وآسيا كانت تعتمد على مراكز النقل الجوى الكبرى فى الخليج.

وتفرض هذه الاضطرابات حالة من القلق لدى المسافرين وشركات الطيران معًا، ما يؤدى إلى امتداد التأثيرات السلبية إلى ما بعد انتهاء المواجهات المباشرة بسبب ضعف الثقة وتراجع الرغبة فى السفر.

وسيحدد طول أمد الحرب عمق الخسائر المتوقعة؛ حيث تُقدّر السيناريوهات أن التوصل إلى تسوية سريعة خلال أسابيع سيظل كفيلًا بخفض أعداد الزوار الوافدين إلى الشرق الأوسط بنسبة 11% فى عام 2026، وهو ما يعنى خسارة نحو 23 مليون زائر وخسائر فى الإنفاق السياحى بين 34 و56 مليار دولار، بينما تتضاعف هذه الأرقام تقريبًا فى حال امتداد الحرب إلى شهرين وما بعده.

ويتسع نطاق الضرر ليشمل الدول الأكثر اعتمادًا على النقل الجوى مثل الإمارات والسعودية، اللتين تواجهان تراجعًا كبيرًا فى التدفقات السياحية نتيجة انكماش حركة الربط الجوى وارتفاع تكاليف تسيير الرحلات، ويبدو الأثر النسبى أكبر فى دول مثل إسرائيل وإيران؛ حيث تشير التقديرات إلى انخفاضات تتجاوز نصف حجم الوافدين مقارنة بالخطط السابقة التى كانت تتوقع تعافيًا تدريجيًا قبل اندلاع الصراع.

وتؤدى الضربات المتبادلة واتساع رقعة المخاطر إلى إطالة أمد الانكماش فى الطلب السياحى حتى بعد إعادة فتح بعض المسارات الجوية؛ إذ يعتمد التعافى على سرعة استعادة المسافرين شعورهم بالاستقرار. ويبرز هذا بوضوح فى الدول التى تعتمد اعتمادًا مباشرًا على سمعة المناطق الآمنة لجذب السائحين، مثل وجهات الخليج التى تحتفظ بحصة كبيرة من حركة الترانزيت العالمية وتشكل نحو 14% من حركة الربط الجوى الدولي.
ويؤدى خفض تشغيل شركات الطيران الكبرى، مثل تلك العاملة من دبى والدوحة وأبو ظبي، إلى إرباك حركة المسافرين حول العالم، فضلًا عن تزايد عدد الرحلات المحوّلة إلى مسارات أطول عبر أوروبا وآسيا الوسطى، ما يرفع زمن السفر وكلفة الوقود ويُسهم فى إلغاء بعض الخطوط نهائيًا.

ويتضح أن امتداد الحرب يزيد الضغط على شبكات الطيران العالمية، لا سيما فى ظل تقلص الممرات الجوية المتاحة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية التى أدت إلى إغلاق مساحات واسعة من الأجواء التقليدية بين أوروبا وآسيا. وتتحول المنطقة بذلك إلى نقطة اختناق فى منظومة النقل الجوى الدولي؛ حيث تعتمد شركات الطيران على ممرات أضيق وأكثر ازدحامًا، مما يرفع احتمال تعطّل المزيد من الرحلات ويدفع بعض المسافرين إلى إلغاء خططهم.

ويشير التقرير إلى أن التأثيرات تمتد خارج المنطقة لتشمل أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية؛ حيث ألغت شركات مثل «الخطوط الجوية المتحدة» (United Airlines) رحلاتها إلى تل أبيب بسبب المخاطر والتكلفة المرتفعة، رغم كون هذا الخط من أكثر الرحلات ربحية.

ويفاقم ارتفاع أسعار النفط الناتج عن تهديد الملاحة فى مضيق هرمز من الأزمة؛ إذ من المتوقع تجاوز الأسعار 80 دولارًا للبرميل فى الربع الثانى من عام 2026، مما سيضغط على شركات الطيران التى تواجه كلفة أكبر للوقود وفترات تشغيل أطول نتيجة إعادة توجيه مسارات الطيران.
وستؤدى هذه الضغوط إلى زيادات فى أسعار التذاكر وانخفاض الإقبال على السفر، مما يؤثر فى الحجوزات المستقبلية ويضع الصناعة فى حالة عدم يقين طوال مدة الصراع.

وتبرز التداعيات بشكل أوضح فى البلدان التى تعتمد على السياحة كمحرك اقتصادى رئيسى؛ حيث تتراجع الإيرادات ويتعرض قطاع الضيافة وقطاعات الخدمات المرتبطة به لركود واسع، بينما تتزايد الحاجة إلى برامج تعافٍ أسرع بعد انتهاء العمليات.

وتكشف التقديرات أن التأثيرات لا تقتصر على الانخفاض الفورى فى عدد الزوار، بل تمتد إلى إعادة تشكيل خريطة السياحة الإقليمية والعالمية؛ إذ ستحتاج شركات الطيران إلى وقت أطول لإعادة توزيع الأساطيل والطاقم، كما ستتردد بعض الدول فى إعادة فتح أجوائها على الفور بسبب مخاطر تجدد الضربات.

اقرأ أيضًا| وزير السياحة: 244 طلبًا تمويليًا بـ16 مليار جنيه لزيادة الطاقة الفندقية في مصر

وسيؤدى ذلك إلى استمرار اختلال موازين العرض والطلب فى النقل الجوى لفترة ممتدة، مع احتمال بقاء الأسعار أعلى من مستوياتها الطبيعية، ما يقلل من مرونة التعافى فى السوق السياحي.

وتوضح هذه المعطيات أن الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران أطلقت موجة صدمات تتجاوز التوقعات التقليدية لتأثيرات الصراعات الإقليمية على قطاع السفر؛ فبدلًا من انحصار التأثيرات فى نطاق جغرافى محدد، أدت الحرب إلى تعطيل أحد أهم الممرات الجوية فى العالم وإحداث كساد عابر للحدود فى حركة السياحة العالمية.

ويتوقف المسار المستقبلى لهذه التداعيات على مدة الحرب وطبيعة نهايتها، وعلى قدرة الدول وشركات الطيران على إعادة بناء الثقة وتوفير بدائل آمنة وفعّالة للمسافرين، وهو مسار سيظل محفوفًا بالتحديات حتى فى أفضل السيناريوهات.

كما استعرض المركز تقرير شركة «BMI» التابعة لوكالة فيتش حول الاضطرابات وتأثيرها على قطاع السياحة والسفر، والذى توقَّع أن تشهد دول مجلس التعاون انخفاضًا بنسبة 8% إلى 15% فى أعداد الوافدين خلال 2026 (ما يعادل 7.1 إلى 13.2 مليون زائر)، فى حين من المتوقع أن تواجه إيران تقلصًا حادًا بنسبة 70% إلى 90%، بما يمثل 6.3 إلى 9 ملايين زائر، بينما قد تحقق عُمان نموًا بنسبة 5% إلى 15% نتيجة تحويل بعض الحركة السياحية الإقليمية إليها.

اقرأ أيضًا| شريف فتحي يستعرض خطة عمل «السياحة والآثار» بمجلس النواب

ووفقًا للتقرير، تشير التقديرات إلى أن التعافى فى إيران قد يستغرق عدة سنوات، فى حين تتمتع دول مجلس التعاون بدرجة من المرونة، مدعومة بالسفر الداخلى والدينى مثل الحج والعمرة، الذى من المتوقع أن ينخفض بنسبة 5% إلى 10% فقط، مقارنًة بتراجع السفر الترفيهى الدولى الأكبر، ما يجعل مسار التعافى فى المنطقة مرتبطا بتحديد ما إذا كانت الاضطرابات ستظل قصيرة المدى أم طويلة وستعيد تشكيل السياحة وشبكات الطيران فى الشرق الأوسط خلال 2026.