يوميات الأخبار

الطبعة النسائية من الشيخ محمد رفعت!

سعيد الخولى
سعيد الخولى


..إيه يا فندى انت إيه اللى بتعمله ده، ده عزاء اتنين إخوات ماتوا فى حادث عربية، وانت قاعد تقول يا سلام ومصهلل ومجلجل، قوم اطلع برة..

سيبقى برنامج «دولة التلاوة» علامة فارقة فى مسيرة الإعلام العصرى بهدفه وكثافة مشاهدته وثماره اليانعة فى شجرة دولة التلاوة المصرية ذات النكهة الفريدة. لقد تحول إلى نموذج تحتذيه مسابقات القرآن الكريم فى شتى المحافظات خلال شهر رمضان الكريم، وكثرة من تلك المسابقات تتخذ من نفس المسمى عنوانًا لها.

ويحسب للبرنامج أنه كشف بجلاء عن أصالة معدن هذا الشعب وعطائه الذى لا ينضب فى دنيا تلاوة القرآن الكريم وهذه الزهور الرائعة من صغار أطفالنا وشبابنا الذين لم تأخذهم تفاهات تحيط بهم فى أعمال درامية أو وسائط اجتماعية على السوشيال ميديا كفيلة بهدم أى إيجابيات لدى النشء والكبار على حد سواء، بل الأروع هم هؤلاء الآباء والأمهات الذين استطاعوا أن يحيطوا تلك الزهور البريئة بسياج من المناعة والقناعة الإيجابية بعيدًا عن تلك الموبقات الفنية واليوتيوبية والتكتوكية والفضائية المهلكة، وقدموا برهانًا ساطعًا على أن جينات هذا الشعب تترسخ فيها جذور الإيمان وتتبقى فيها ثابتة أمارات الجدية مهما توجهت صوبها طلقات التسطيح ومحاولات التغييب وغسل العقل وتشويه الوجدان والخروج به إلى أودية الضياع!

الشيخة منيرة والشيخة كريمة

الجمعة:

ومما لفت نظرى تلك الهوجة التى حاولت أخذ البرنامج إلى مسار مختلف حول تقديمه بواسطة مذيعة أنثى واتخذ البعض منها سهمًا للنيل من البرنامج أو التقليل من قيمته، أو حتى التشكيك فى صحة ذلك من عدمها شرعيًا، وتعجبت مع تلك الهوجة التى كادت تتحول إلى مرارة تفسد بعض طعم البرنامج ونجاحه الساحق غير المسبوق! كان مثار تعجبى ما طالعته عن ممارسة المرأة لقراءة القرآن الكريم عبر أثير الإذاعة جنبًا إلى جنب مع أساطين القراءة الرجال منذ قرابة قرن من الزمان فى المرحلة الأولى من عمر الإذاعة المصرية.

وفى كتابه «ألحان السماء» يتناول الكاتب الراحل محمود السعدنى ـ رحمه الله ـ حكاية قارئات القرآن فى الإذاعة المصرية، اللاتى نافست إحداهن الشيخ محمد رفعت وهى السيدة نبوية النحاس التى توفيت عام 1973 وبموتها انطوت صفحة رائعة من كتاب فن التلاوة والإنشاد الدينى فى العصر الحديث، وكانت «أم محمد» أول من احترفن قراءة القرآن الكريم من السيدات فى مصر، فى عصر الباشا محمد على، مؤسس مصر الحديثة، حيث كانت تقوم بإحياء ليالى المآتم فى قصور قادة الجيش وكبار رجال الدولة، وكانت موضع إعجاب الباشا محمد على.. ودفنت فى مقبرة أنشئت خصيصًا لها فى الإمام الشافعى، وجرت مراسم تشييع الجنازة فى احتفال عظيم كما يقول السعدنى فى كتابه الممتع.

ورغم وجود عشرات القارئات فى مصر منذ عصر محمد على، فلا توجد غير بعض المصادر القليلة التى يمكن الرجوع إليها لمعرفة تاريخهن، مثل هذا الكتاب «ألحان السماء» للسعدنى، والذى قدم ترجمة لهن فى خمس صفحات فقط من كتابه، ولا توجد إلا تسجيلات نادرة جدًا لهؤلاء القارئات، وأشهرهن، كريمة العدلية، منيرة عبده، وسكينة حسن، وخوجة إسماعيل، ومنيرة أحمد المصرى، ونبوية النحاس.

مع إنشاء الإذاعة الرسمية فى القاهرة كانت الشيخة منيرة فى طليعة الذين رتلوا القرآن من خلال موجاتها. وقبل منع صوت قارئات القرآن الكريم نهائيًا من الإذاعة، كان يحجب صوتهن خلال شهر رمضان من كل عام، كما أشار الباحث عصمت النمر فى مقال نشرته مجلة «الهلال» المصرية.

أما منيرة عبده وهى القارئة التى تسببت فى غضب المشايخ الكبار، الساعين لحجب صوتها عن الإذاعة بحجة أنه عورة ـ فقد بدأت ترتيل القرآن فى الإذاعات الأهلية المصرية وهى فى الثامنة عشرة من عمرها، عام 1920، ذكرها السعدنى فى كتابه: «أحدث ظهورها ضجة كبرى فى العالم العربى، ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت الشيخة منيرة ندًا للمشايخ الكبار، وذاع صيتها خارج مصر، وتهافتت عليها جميع إذاعات مصر الأهلية، كانت الشيخة منيرة فى طليعة الذين رتلوا القرآن من خلال موجاتها، كانت تتقاضى خمسة جنيهات، فى الوقت الذى كان يتقاضى فيه الشيخ رفعت عشرة جنيهات».

وظهرت كريمة العدلية فى عصر الشيخ على محمود، سيد قراء زمانه، طبقًا لما كتبه عنها السعدنى: «وصل صوتها للعالم العربى كله من خلال الميكرفون أيام الإذاعات الأهلية، وعاشت حتى تمصير الإذاعة، وظلت تذيع القرآن بصوتها العذب إلى فترة الحرب العالمية الثانية».
ورغم إشارة السعدنى فى كتابه إلى انتهاء عصر تلاوة النساء مع وفاة نبوية النحاس إلا أن ذلك العصر انتهى فقط مع أثير الإذاعة المصرية، ولا تزال القارئات المصريات متواجدات وعضوات فى نقابة قراء القرآن الكريم بالعشرات، غير أن الإذاعة المصرية رفضت السماح لهن بالتلاوة.
لكن المشهد الشعبى الذى مازال يتذكره أبناء المناطق الشعبية وأنا منهم يؤكد على استمرار المرأة بوضوح كقارئة للقرآن على الناس من خلال المآتم بالمناطق الشعبية؛ وقد كان العرف أن هناك عزاء للرجال يقرأ فيه شيخ رجل، وآخر للنساء تقرأ فيه قارئة أنثى فتتلو القرآن وتقوم بوعظ المعزيات عبر ليالى العزاء الثلاث.

ولست بداعم أو رافض للفكرة فلها من يفتى ويفصل فيها تحليلًا و تحريمًا،أو حتى جوازًا ومنعًا، ولست أرانى أهلًا لذلك؛ إنما استدعى تلك الخواطر ما أثير حول تقديم مذيعة هى آية عبد الرحمن لبرنامج دولة التلاوة وما ثار حول الأمر من خلافات وأصوات متشنجة ورفض من البعض للأمر!
العمدة صلاح منصور

السبت:

عديدة هى حكايات دولة التلاوة فى مصر ما بين أساطين القراءة وكبار المعجبين المتيمين من المشاهير فضلًا عن بقية الشعبيين. ويحكى أديب نوبل العالمى نجيب محفوظ إحدى تلك الطرائف التى حضرها، والتى حكاها فى إحدى جلساته عن موقف غاية فى الغرابة، ورصدها الكاتب إبراهيم عبد العزيز، فى الجزء الأول من كتابه «ليالى نجيب محفوظ فى شبرد».

سئل «محفوظ» عن قارئه ومنشده المفضل، فأجاب، أن الأول هو الشيخ محمد رفعت، أما منشده المفضل فهو الشيخ على محمود الذى كان يستمع إليه فى مسجد الحسين وهو ينشد قصائده فى مولد النبى، وفجأة اعتلت وجهه ابتسامة واسعة، حيث تذكر الممثل والمخرج صلاح منصور، وروى «أديب نوبل»، واقعة طريفة ولكنها لا تخلو من الغرابة أيضًا، فيقول: «كان صلاح منصور يحب الشيخ مصطفى إسماعيل ومعجبًا بصوته، وكان عندما ينسجم معه يقوم بأعمال غير لائقة من شدة إعجابه بنغمة حلوة فى تلاوة الشيخ، حتى أنه ذات مرة قال: (الله يلعن ....)، وقام هاربًا والناس تتناول قفاه بأياديهم»!

وموقف آخر سرد تفاصيله الفنان الراحل شكرى سرحان، فى لقاء تليفزيونى ببرنامج «شموع» على التليفزيون المصرى، وقد كان أحد أركان «شلة السميعة» للشيخ مصطفى، فضل صديقه وزميل دراسته صلاح منصور، الذى عرفه على الشيخ وكان يصطحبه معه لحضور حفلاته والاستمتاع بصوته. وكان صلاح يحرص على الاتصال يوميًا بمنزل الشيخ مصطفى ليعرف مكان العزاء أو الحفل الذى سيقرأ فيه، ويذهبان معًا.
وتحدث «سرحان» عن تفاصيل واقعة طريفة، ذات مرة فى عزاء كبير بإحدى المحافظات، حيث كانا يحرصان دومًا على الجلوس فى المقاعد المواجهة للشيخ مصطفى إسماعيل، ومع تجلى الأخير فى التلاوة، يبدأ صوت «صلاح» فى الارتفاع بعبارات المدح «الله عليك يا سيدى.. يا سلام.. آه والنبى حلوة دى كمان شوية».

وفوجئ الثنائى الفنى أثناء الاندماج مع الشيخ، برجل «طويل عريض» يطرد «صلاح» من العزاء، فيقول «سرحان»: «فوجئنا برجل بيخبط على كتفه وبيقول: إيه يا فندى انت إيه اللى بتعمله ده، ده عزاء اتنين اخوات ماتوا فى حادث عربية، وانت قاعد تقول يا سلام ومصهلل ومجلجل، قوم اطلع برة»، ولكن أنقذه من الموقف الشيخ مصطفى إسماعيل، الذى دافع عنه أمام إصرار صاحب العزاء على رحيله، حتى أن الشيخ هدده بترك العزاء إذا رحل صلاح منصور.

إن دولة التلاوة فى مصر هى حكاية مصرية خالصة تتنوع وتتكامل فيها طبقات المؤدين والمعجبين من كافة أطياف المصريين لتقدم لوحة مصرية فريدة بامتداد العالم العربى والإسلامى!