أفـاعى الإخـوان

أحمد هاشم
أحمد هاشم


محمد كمال المؤسس والمسؤول الأول عن الجناح المسلح للجماعة الإرهابية ولجانها النوعية
اغتيال المستشار هشام بركات من أبرز العمليات الإرهابية التى دبر لها وأشرف على توجيهها
سيد قطب زرع «بذرة» التكفير والعنف الإخوانى.. و«كمال» قام بهندستها لتصبح جيشاً سرياً يمارس الإرهاب المنظم
مصرعه فى 2016 لم يكن مجرد تصفية لجسد قيادى.. بل كان ضربة قاصمة للرأس المدبر لعنف التنظيم

إذا كان مسلسل «رأس الأفعى» يسلط الضوء بشكل أساسى على إجرام محمود عزت أحد أخطر قيادات جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، وكيف كان- وهو قائم بأعمال مرشد الجماعة لمدة 7 سنوات- يخطط للعمليات الإرهابية، ونشر الفوضى، وتدمير الاقتصاد، ووضع مخططات إرباك وإنهاك الدولة، إلا أن هناك أفاعى أخرى تنتمى للتنظيم الإرهابى تتضمنها أحداث المسلسل ولكن بشكل غير أساسى، مثل محمد كمال الذى لا يقل خطورة عن عزت.

ولـم يكن مصرع ∩كمال∪ فى أكتوبر 2016 مجرد تصفية لجسد قيادى، بل كان ضربة قاصمة للرأس المدبر، وأحدث زلزالاً لاتزال توابعه تؤثر على بنية تنظيم الإخوان الإرهابى حتى اليوم، فكمال كان حلقة الوصل الوحيدة التى تثق بها الأطراف الخارجية لتمويل ∩العمل النوعى∪.. وبمقتله انقطعت خطوط الإمداد المالى المباشر، وتاه الكثير من الخلايا التى كانت تنتظر الأوامر والتمويل منه، كما فقدت الجماعة الإرهابية بمقتله التخطيط المنظم إلى ∩التخبط العملياتى∪، حيث اتسمت عمليات حركات مثل ∩حسم∪ بالعشوائية ثم الانحسار تدريجياً، بعد أن غاب العقل الذى كان يربط بين ∩السياسة∪ و∩السلاح∪، مما جعل تلك المجموعات تتحول إلى خلايا مطاردة همها الأول البقاء وليس التنفيذ.
كمال كان مهندس انتقال تنظيم الإخوان من الدعوة إلى السلاح بعد فض اعتصامى رابعة العدوية والنهضة، حيث قام بهيكلة ∩اللجان النوعية∪ فقبل ذلك كانت اللجان النوعية مجرد مجموعات عشوائية، فوضع محمد كمال لها هيكلاً عسكرياً دقيقاً شمل وحدات الرصد، لجمع معلومات عن تحركات ضباط الشرطة والقضاة والشخصيات العامة، ووحدات التنفيذ، وهى مجموعات مدربة على استخدام العبوات الناسفة والاغتيال المباشر، أما وحدات التصنيع فكانت ورشا سرية لتصنيع المتفجرات وتعديل الأسلحة، وبالنسبة للتمويل كان كمال يشرف شخصياً على توزيع الميزانيات القادمة من الخارج لتمويل شراء السلاح وتأجير الشقق للاختباء بها (الشقق التنظيمية).
وأدى مقتله إلى تعميق الشرخ داخل التنظيم الإرهابى، بين جبهة لندن/إسطنبول (محمود عزت/إبراهيم منير) التى طالبت بالتهدئة للحفاظ على بقاء التنظيم، وجبهة محمد كمال (اللجنة الإدارية العليا) التى اتهمت القيادات التاريخية بالخيانة والضعف، وأعلنت أن ∩الثورة∪ هى السبيل الوحيد، بينما استغلت جبهة محمود عزت غياب كمال لمحاولة استعادة السيطرة، بينما اعتبره الشباب ∩أيقونة∪ ورفضوا الانصياع للقيادات التاريخية، مما أدى لضعف التنظيم وتفتت ولاءات أعضائه. 
لقد كان محمد كمال يمثل ∩الفرصة الأخيرة∪ للإخوان لفرض واقع جديد بقوة السلاح، وفشل مشروعه بمقتله الذى مثّل النهاية الفعلية لخطورة التنظيم داخل العمق المصرى.
وإذا كان سيد قطب مفكر الجماعة الإرهابية قد زرع ∩بذرة∪ التكفير والعنف فى وجدان الإخوان فى ستينيات القرن الماضى، فإن محمد كمال قام بـهندسة هذه البذرة لتصبح جيشاً سرياً يمارس الإرهاب المنظّم فى القرن الحادى والعشرين، كما أعاد كمال صياغة أدبيات حسن البنا وسيد قطب لتتواءم مع واقع ما بعد 2013 معلنا أن السلمية كانت وسيلة وليست غاية، وأنها انتهت صلاحيتها بفض الاعتصامات، وأكد أن الجهاد فى الداخل المصرى هو الأولوية القصوى، مقدماً إياه على أى عمل دعائى أو سياسى.
كان محمد كمال يدرك أن تحويل شاب جامعى إلى ∩منفذ عمليات∪ يتطلب غسيل مخ ممنهجاً يتجاوز الأدبيات التقليدية للإخوان، لذا أشرف على صياغة وتوزيع رسائل عُرفت بـ∩أدبيات الحراك الثورى∪ التى شكلت وعى أتباعه، وكان يتم تداولها حصراً عبر تطبيقات مشفرة مثل ∩تليجرام∪، ومن هذه الرسائل رسالة ∩فقه المقاومة الشعبية∪، التى تعد ∩المنهج التشغيلى∪ لتيار كمال، وركزت على شرعنة العنف، من خلال تقديم تأويلات دينية تعتبر استهداف أفراد الشرطة والجيش ليس قتلاً بل دفع للصائل ∩المعتدى∪.. أما رسالة ∩إسقاط القدسية عن الدولة∪ فتعمل على تصوير مؤسسات الدولة (القضاء، والإعلام، والأمن) كأدوات كفر وطغيان يجب تعطيلها بكل الوسائل.. بينما لم تكن رسالة ∩دليل حروب العصابات فى المدن∪ وعظية بقدر ما كانت دليلاً عسكرياً مبسطاً، يشمل كيفية رصد الأهداف الحيوية دون إثارة الشبهات، وطرق تصنيع المولوتوف المطوّر، والعبوات البدائية من مواد منزلية، بينما تمثل رسالة أساليب ∩الإرباك والإنهاك∪ استراتيجية تعتمد على تنفيذ 10 عمليات صغيرة فى وقت واحد لتشتيت جهود الأمن، بدلاً من عملية واحدة كبرى، أما ∩رسائل التعبئة النفسية∪ فكانت تُرسل دورياً لرفع الروح المعنوية للخلايا المختبئة، وتركز على صناعة المظلومية، من خلال استدعاء صور فض اعتصام رابعة باستمرار لتغذية شعور الانتقام، كما تركز على الوعد بالنصر القريب، لإيهام الشباب بأن النظام يترنح وأن ∩الضربة القاضية∪ التى يخطط لها كمال ستسقطه قريباً.
واعتمد كمال نظاماً تقنياً صارماً لتوزيع هذه الرسائل عبر المجموعات المغلقة، باستخدام ملفات بصيغة PDF ومشفرة بكلمات مرور تتغير باستمرار، مع التوجيه بمسح الرسائل فور قراءتها باستخدام خاصية الحذف التلقائى، ولا تتم مناقشة هذه الرسائل إلا فى ∩مجموعات تربوية∪ لا تزيد عن 3 أشخاص أو ما يعرف بالحلقات الضيقة لضمان عدم الاختراق.
ورغم مقتله لا تزال هذه الرسائل تمثل المرجع الفكرى لما يسمى بـ∩الكماليين∪ فى الخارج، فهم يرون فيها ∩التطوير الحقيقى∪ لفكر الإخوان، ويعتبرون القيادات التى ترفضها ∩قيادات عجوزة∪ فقدت صلتها بالواقع.
وقد شغل محمد كمال ∩الطبيب البشرى∪ منصب عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة فى أغسطس 2013، وتولى مسؤولية ∩الإدارة العليا للتنظيم∪ داخل مصر، ويُعتبر المؤسس والمسؤول الأول عن الجناح المسلح للجماعة ولجانها النوعية، حيث ارتبط اسمه بتأسيس وقيادة عدة كيانات وتخطيط عمليات نوعية استهدفت الدولة المصرية، حيث شارك فى تأسيس اللجان النوعية، وأشرف على تشكيلها، وضمت هذه اللجان كوادر من الجماعة لتنفيذ عمليات عنف وشغب، ونتج عن هذا الفكر لاحقاً ظهور حركات مسلحة مثل ∩حسم∪ و∩لواء الثورة∪.
ومن أبرز العمليات الإرهابية التى دبر لها محمد كمال أو أشرف على توجيهها عملية اغتيال المستشار هشام بركات النائب العام الأسبق فى يونيو 2015، وتُعد هذه العملية نقطة التحول فى نشاط محمد كمال، وكشفت اعترافات المتهمين مثل محمود الأحمدى عن دور كمال المحورى، الذى تمثل فى التوجيه، حيث أصدر التكليف المباشر ببدء عمليات ∩اغتيال رؤوس الدولة∪، بالإضافة للدعم اللوجستى، حيث أشرف على توفير التمويل اللازم لشراء المواد المتفجرة (نترات الأمونيوم) والسيارة التى استُخدمت فى التفجير، كما كان حلقة الوصل بين المجموعات المنفذة فى الداخل وقيادات هاربة بالخارج للتنسيق الفنى (خاصة فيما يتعلق بتصنيع الدوائر الإلكترونية للتفجير عن بُعد).
كما دبر كمال وأشرف − قبل مقتله بشهرين − على محاولة اغتيال د. على جمعة المفتى السابق فى أغسطس 2016، ونفذتها عناصر تابعة لمجموعة ∩حسم∪ التى أسسها، حيث تم رصد منزل الدكتور على جمعة بمدينة 6 أكتوبر، وأطلق المسلحون النار عليه أثناء توجهه لصلاة الجمعة، إلا أن المحاولة فشلت وأصيب حارسه الشخصى فقط، كما دبر كمال واشرف على عملية اغتيال العقيد وائل طاحون فى أبريل 2015، حيث تم رصد العقيد طاحون رئيس مباحث المطرية سابقاً واستهدافه بطلقات نارية أمام منزله بمنطقة عين شمس، وأكدت التحقيقات أن محمد كمال هو من اعتمد ∩قائمة الاستهداف∪ التى شملت ضباطاً بعينهم بدعوى تورطهم فى فض الاعتصامات.
ودبر محمد كمال لخطة واسعة النطاق كانت تعرف بــ∩استراتيجية إنهاك الاقتصاد∪ التى لم تكن تستهدف الأشخاص فحسب، بل البنية التحتية، حيث تم تفجير المئات من أبراج الضغط العالى ومحولات الكهرباء فى محافظات الشرقية، والفيوم، وبنى سويف، وأسيوط، وكانت هذه التفجيرات تهدف إلى إحداث حالة من السخط الشعبى ضد الحكومة بسبب انقطاع التيار الكهربائى المتكرر فى ذلك الوقت.
كما شارك فى تأسيس ∩كتائب حلوان∪، ورغم أن الفيديو الشهير للكتائب بدا كأنه عمل دعائى، إلا أن التحقيقات ربطت بين المجموعة وبين إشراف محمد كمال، واستهدفت هذه المجموعات حرق سيارات الشرطة، واستهداف نقاط المرور، والاعتداء على المنشآت الحكومية فى نطاق جنوب القاهرة ∩حلوان والتبين∪.
وكان محمد كمال يتبع أسلوب ∩الخلايا العنقودية∪ لضمان عدم سقوط التنظيم بالكامل، حيث كان هناك فصل تام بين الخلايا، فالخلية التى تنفذ عملية (أ) لا تعرف شيئاً عن الخلية (ب)، مع استخدام تطبيقات مشفرة (مثل تليجرام ولاين فى بداياته) لتلقى التعليمات، وكذلك الاعتماد على الشقق البديلة، حيث كان يتم تخصيص ∩دور ضيافة∪ أو شقق آمنة فى مناطق شعبية ونائية لتخزين السلاح، وتصنيع المتفجرات بعيداً عن أعين الأمن.
وقد صدرت ضده عدة أحكام قضائية غيابية، منها السجن المؤبد فى القضية رقم 52 لسنة 2015 (جنايات عسكرية شمال القاهرة) بتهمة تشكيل مجموعات مسلحة تابعة لجماعة الإخوان المسلمين لتنفيذ عمليات إرهابية ضد الدولة، والسجن المؤبد فى القضية رقم 104 لسنة 2016 (جنايات عسكرية أسيوط) لإدانته فى واقعة تفجير عبوة ناسفة خلف قسم ثان أسيوط.
كما كان مطلوباً فى العديد من القضايا الإرهابية الأخرى، من بينها التخطيط لاغتيال النائب العام الأسبق هشام بركات، واغتيال العقيد وائل طاحون، ومحاولة اغتيال المفتى السابق د.على جمعة.