تشهد سماء العالم خلال منتصف شهر رمضان الجاري ظاهرة فلكية نادرة تتمثل في اصطفاف عدد من كواكب المجموعة الشمسية في مشهد بديع بالتزامن مع ظهور ما يُعرف بـ القمر الأحمر أو القمر الدموي في حدث يثير اهتمام علماء الفلك وهواة الرصد على حد سواء.
ما هو اصطفاف الكواكب؟
يشير مصطلح اصطفاف الكواكب إلى ظهور عدة كواكب في خط شبه مستقيم من منظور الرصد من الأرض نتيجة تموضعها في مداراتها حول الشمس. وخلال هذه الظاهرة يمكن رؤية كواكب مثل عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل مصطفّة في نطاق واحد تقريبا في السماء بعضها بالعين المجردة فيما يحتاج البعض الآخر إلى تلسكوب صغير أو منظار فلكي.
ويؤكد متخصصون أن الاصطفاف لا يعني وقوع الكواكب في خط مستقيم فعليا في الفضاء بل هو اصطفاف ظاهري ناتج عن زاوية الرؤية من الأرض.
لماذا يظهر القمر باللون الأحمر؟
يتزامن الاصطفاف هذا العام مع ظاهرة القمر الأحمر التي تحدث أثناء خسوف القمر الكلي. ففي هذه الحالة تقع الأرض بين الشمس والقمر ما يحجب ضوء الشمس المباشر عن سطح القمر. لكن جزءا من الضوء يمر عبر الغلاف الجوي للأرض حيث تتشتت الألوان الزرقاء ويستمر مرور اللون الأحمر فينعكس على سطح القمر ويمنحه ذلك التوهج النحاسي المائل إلى الأحمر.
ويُعرف هذا الحدث علميا باسم خسوف القمر الكلي وتُعد مشاهدته آمنة تماما دون الحاجة إلى نظارات خاصة على عكس كسوف الشمس.
ظاهرة نادرة بتزامن رمضاني
تكمن ندرة الحدث في تزامن الظاهرتين معا خلال فترة زمنية قصيرة في منتصف شهر رمضان وهو ما يمنح المشهد بعدا بصريا وروحانيا خاصا خاصة في ليالي الشهر الفضيل التي تشهد عادة إقبالا على التأمل والأنشطة الليلية.
ويشير فلكيون إلى أن مثل هذا التزامن لا يتكرر كثيرا نظرا لتعقيد الحسابات المدارية لكل من القمر والكواكب.
نصائح للرصد
اختيار مكان بعيد عن التلوث الضوئي.
بدء الرصد بعد غروب الشمس بساعتين تقريبا لرؤية الكواكب بوضوح.
متابعة توقيت ذروة الخسوف لمشاهدة القمر الأحمر بأفضل صورة.
استخدام تطبيقات فلكية لتحديد مواقع الكواكب بدقة.
بين العلم والانبهار
ورغم أن الظاهرة تحمل طابعا بصريا مهيبا يؤكد العلماء أنها حدث فلكي طبيعي لا يحمل دلالات استثنائية بل يعكس دقة النظام الكوني وحركة الأجرام السماوية وفق قوانين فيزيائية ثابتة.
وتبقى سماء رمضان هذا العام على موعد مع لوحة كونية نادرة تجمع بين اصطفاف الكواكب وتوهج القمر الأحمر في مشهد ينتظره عشاق الفلك وعدسات المصورين حول العالم.
ووفقا لجمعية الفلكية بجدة، عند ذروة الخسوف سيظهر القمر بحجمه المعتاد تقريباً عند النظر إليه بالعين المجردة لأن بُعده عن الأرض سيكون قريباً من المعدل الطبيعي، خلال المرحلة الجزئية ومع بدء دخول القمر في ظل الأرض سيظهر ظل الأرض المقوس على سطح القمر وهي ملاحظة تاريخية استخدمت قديماً كأحد الأدلة على كروية الأرض ، أما المرحلة الأكثر إثارة فهي مرحلة الخسوف الكلي التي تستمر قرابة 58 دقيقة حيث يدخل قرص القمر بالكامل في ظل الأرض ويتحول لونه إلى الأحمر أو النحاسي بدرجات مختلفة تبعًا لحالة الغلاف الجوي للأرض وكمية الغبار والهباء الجوي فيه.
تحدث ذروة الخسوف الكلي عند الساعة 02:33 مساءً بتوقيت مكة وعندها يكون القمر مرتفعاً في السماء فوق المحيط الهادئ وأجزاء من أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية بينما يكون غير مرئي في الشرق الأوسط ومعظم آسيا بسبب حدوث الظاهرة نهاراً.
يعد هذا الخسوف كلياً غير مركزي أي أن مسار القمر داخل ظل الأرض لا يمر عبر مركز الظل تماماً بل يكون مائلًا نحو الجنوب داخل ظل الأرض ولذلك سيبدو طرفه الشمالي أغمق نسبياً وينتج التفاوت في شدة الإظلام عبر قرص القمر أثناء الكلية عن عاملين رئيسيين مجتمعين: اختلاف الموقع داخل ظل الأرض إضافة إلى ترشيح وانكسار ضوء الشمس عبر الغلاف الجوي للأرض.
اللون الأحمر المميز للقمر أثناء الخسوف الكلي ينتج عن مرور ضوء الشمس عبر الغلاف الجوي للأرض حيث ترشح الأطوال الموجية الزرقاء ويتبقى الضوء الأحمر الذي ينكسر نحو القمر وتلعب جسيمات الغبار والهباء الجوي والسحب دوراً مهماً في تحديد درجة سطوع اللون الأحمر أو قتامة الخسوف.
يستخدم وصف "القمر الدموي" على نطاق واسع في وسائل الإعلام للإشارة إلى الخسوف الكلي إلا أنه مصطلح غير علمي وهو حديث الانتشار نسبياً في الاستخدام الإعلامي المعاصر.
يمثل خسوف القمر الكلي فرصة علمية مهمة لدراسة تأثير الغلاف الجوي للأرض في الضوء. فمن خلال تحليل لون القمر المخسوف وسطوع يمكن للعلماء استنتاج معلومات عن محتوى الغلاف الجوي من الغبار والهباء والجسيمات الدقيقة مما يساعد في تحسين نماذج المناخ وفهم ديناميكيات الغلاف الجوي.
كما يتيح الخسوف دراسة الإستجابة الحرارية لسطح القمر إذ يبرد سطحه بسرعة ملحوظة عند دخوله في ظل الأرض وقد تنخفض حرارته عشرات إلى أكثر من مئة درجة مئوية خلال فترة قصيرة. وتساعد مراقبة هذا التغير الحراري على فهم خصائص التربة والصخور القمرية وطبيعة انتقال الحرارة فيها.
يقدم خسوف القمر الكلي تذكيراً بدقة الحركات السماوية وترابطها وفرصة علمية لدراسة الغلاف الجوي للأرض واستجابة سطح القمر للتغيرات الحرارية المفاجئة. ورغم أن الظاهرة لن تشاهد في العالم العربي فإنها تبقى حدثا فلكياً يثري فهمنا للكون ويؤكد أن مراقبة السماء ليست مجرد متعة بصرية بل نافذة علمية تكشف الكثير عن كوكبنا وجارنا القمري.

بودكاست 20+| يسري أبو شادي يكشف أسرار «ترسانة الرعب» والاختراق الأمريكي للطاقة الذرية
نقلة نوعية للقطاع الصناعي.. صندوق جديد لتمويل الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي
منذ 2500 عام.. كيف وصلت توابيت مصرية إلى تركيا؟







