ساحة الوحدة الوطنية والأسرار ...بيت الزعيم الوفدى فخرى بك عبد النور قصر «جرجا» الأشهر

القصر استقبل الخديو عباس حلمى «صورته فى الإطار» وسعد باشا زغلول وأمراء أوروبا ونجوم الفن والرياضة
القصر استقبل الخديو عباس حلمى «صورته فى الإطار» وسعد باشا زغلول وأمراء أوروبا ونجوم الفن والرياضة


عندما تطأ قدماك مدينة جرجا الواقعة جنوب محافظة سوهاج تشتم عبق التاريخ القديم والحديث، فقد حوت المدينة أهم الآثار الفرعونية القديمة والحديثة فضلًا عن كونها أهم مدينة تجارية فى جنوب الصعيد، ويعد قصر الزعيم الوفدى القبطى فخرى بك عبد النور واحدًا من أهم البنايات الأثرية فى العصر الحديث، ومعلمًا من معالم مدينة جرجا البارزة.

اقرأ أيضًا | محافظ سوهاج يشهد الاحتفال باليوم السنوي للأزهر الشريف

من يدخل القصر ويتفقده يشعر أنه فى متحف يروى تاريخ ثورة ١٩١٩، يقول القيادى الوفدى الحفيد منير فخرى عبد النور الوزير الأسبق «للأخبار» أن القصر شيده جده الأكبر عام ١٩٠٦ على ضفاف النيل بمدينة جرجا على أرضه التى ورثها عن والده، وقد استدعى جده مهندسًا إيطاليًا لتصميم وبناء القصر على الطراز الكلاسيكى الأوروبى، مكونًا من 3 طوابق وبدروم، تتوسطه حديقة واسعة مزروعة بالزهور الفواحة النادرة، وعلى الجدران توجد الصورة الشهيرة للخديو عباس حلمى خلال زيارته للقصر فى ١٩٠٩م، ومنح جدى رتبة «البكاوية»، وقد زار القصر الزعيم سعد زغلول عدة مرات ومعه زوجته صفية زغلول وقيادات حزب الوفد، ففى عام ١٩٢١ عندما كان سعد باشا فى رحلة تفتيشية للمحاكم فى الصعيد كونه وزيرًا للعدل ودعاه جدى للزيارة والمبيت بالقصر ولبى سعد زغلول الدعوة وحضر إلى جرجا على الباخرة «نوبيا».. ويصف منير فخرى بعض أركان القصر قائلًا «هناك ردهة قصيرة على جانبيها غرفتان إحداهما غرفة استقبال الضيوف الرئيسة على يمين مدخل القصر، وفى نهاية الردهة يوجد مدخل يأخذ شكلًا نصف دائرى على جانبيه عمودان ويؤدى إلى ردهة القصر الرئيسة التى تفتح عليها غرف الطابق الأول ويفصل بينها وبين الدرج المُؤدى إلى الطابق الثانى حجاب خشبى يأخذ شكلًا نصف دائرى فى أعلاه، ويزينه الزجاج الملون.

وتابع قائلًا: «الصالون والفوتوغرافيا النادرة التى تزين الجدران والقطع النادرة المجلوبة من خارج مصر ومنها المرايا والنجفة ذات القناديل، والستائر النادرة التى لم تتغير منذ تشييد القصر، تُروى الصور الفوتوغرافية والبورتريهات الشخصية، المُعلقة على الجدران تاريخ أفراد عائلة عبد النُّور على مر الزمن الجد الأكبر، ثم نجله ثم حفيده «فخرى» مالك القصر، ومرسوم حصول فخرى عبد النُّور على البكوية من الخديو عباس باشا حلمى، تعرض الفوتوغرافيا أيضًا أحداثًا ومناسبات منها وليمة الغذاء التى أقامها محمد فتح الله بركات وفخرى بك عبد النور لأعضاء الوفد المصرى بفندق شبرد فى صيف 1920، ومن أندرها لوحة مرسومة لسعد زغلول مؤرَّخة فى سنة 1920 ويظهر مرتديًا الزّى الشرفى، وصورة نادرة أيضًا لمكرم عبيد سكرتير الوفد المصرى يجلس على مكتبه وخلفه مجسم يصوِّر الزعيم سعد زغلول!».

 ويضيف الحفيد منير فخرى أن القصر شهد فى حياة جده سهرات رمضانية طوال الشهر الكريم والتى قرأ فيها كبار القراء القرآن الكريم والمدائح وكان المسلمون والأقباط يحضرون هذه الليالى دون تفرقة، وفى الثمانينات كنت أقوم برحلة نيلية فى الشتاء إلى جرجا أدعو فيها عددًا من الأصدقاء منهم الفنانة فاتن حمامة والكابتن صالح سليم والدكتور محمد عبد الوهاب وكنا تقضى يومًا ممتعًا ونتناول الغداء «حمام محشى بالفريك» الوجبة المحببة للفنانة فاتن حمامة.. وأدرس حاليًا تحويل القصر إلى منارة ثقافية واستغلاله كرمز للوحدة الوطنية فى الصعيد ومزارًا لواحد من أهم القصور التاريخية.

وعن أسرار القصر.. يحكى «محسن وديع» المحامى مدير أعمال عائلة عبد النور أن بالطابق الثانى غرفة مخصصة للشيخ محمد حسنين العدوى وكان وكيلًا للجامع الأزهر، وهو والد الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتى الديار المصرية الأسبق، ومن الواضح أن الشيخ العدوى المولود ببنى عديّ بمحافظة أسيوط قد ارتبط بصداقة مع فخرى عبد النُّور، حتى توفى الشيخ سنة 1936.
 وكان أبناء جرجا من المسلمين ينتخبون فخرى عبد النور قبل الأقباط نائبًا عنهم فى البرلمان حتى وفاته فى صيف 1942، وكان حريصًا على التبرع بأمواله لإنشاء دور العبادة، وكذلك مخصصات مالية لأضرحة الأولياء.

وأضاف وديع أن الشيخ الإمام أبا الوفاء الشرقاوى له صورة يظهر فيها مبتسمًا تجاور صورة فخرى عبد النُّور على جدارية ملونة باللون الأخضر ويروى محسن رواية مشهورة عن الشيخ الشرقاوى فى شهر أكتوبر سنة 1921، وبينما كان القطب الصوفى يعقد مجلسه فى السراى والساحة الملحقة بها شمال قنا، وصلته أنباء من جرجا، مفادها أن السلطات المحلية مدفوعة من الإدارة البريطانية، حرضت بعض المجرمين على إحراق قصر فخرى عبد النُّور، ومنع استقبال الرحلة النيلية للزعيم سعد زغلول لجرجا لزيارة القصر، تحرك الإمام الشرقاوى إلى جرجا فوجد أن السلطات قد أغلقت قصر عبد النور وسدت جميع المنافذ المؤدية إليه! أمر الإمام أتباعه بالدخول وفتح القصر وجلس فيه، ولما سمع أهالى جرجا بما فعله الإمام توافدوا على القصر للترحيب به فاكتظت الحديقة بهم، وأرسل الإمام إلى فخرى عبد النُّور وهو قادم على الباخرة «نوبيا» رفقة سعد زغلول ومصطفى النحاس بما حدث.