لم يكن الطب عند المصري القديم مجرد محاولات بدائية للعلاج، بل كان منظومة علمية متكاملة سبقت العالم بآلاف السنين، من أدوات الجراحة المنحوتة على جدران المعابد، إلى البرديات الطبية التي وثّقت أدق تفاصيل التشخيص والعلاج، تتكشف أمامنا حضارة أدركت قيمة الجسد والروح معًا.
في «حكايات من كِمِت» نفتح ملفًا بالغ الأهمية: كيف أسّس المصري القديم لعلم الطب؟ وكيف نجح في الجراحة، وطب الأسنان، والولادة، بل وحتى التعرف على نوع الجنين قبل أن يعرفه العالم الحديث؟
فكرة البرنامج وإعداده تقدمهما الكاتبة الصحفية ومدير تحريره شيرين الكردي، بينما يتولى تقديمه عالم المصريات الدكتور مصطفى وزيري في إطار بودكاست توثيقي مشوّق، يمزج بين الدقة العلمية والسرد الجذاب، ليقترب من تفاصيل الحياة اليومية: كيف عاش المصري القديم؟ كيف أحب؟ كيف تزوّج؟ كيف اختلف؟ كيف تصالح؟ وكيف بنى منظومة قيم متكاملة كانت أساس استقرار واحدة من أعظم حضارات التاريخ؟
◄ المعابد.. أولى المستشفيات في التاريخ
وقال الدكتور مصطفى وزيري: إذا زرتَ معبد كوم أمبو بأسوان، ستجد على جدرانه نقوشًا دقيقة لأدوات جراحية تشبه إلى حدٍّ كبير ما يُستخدم في غرف العمليات الحديثة: مشرط، ملقط، أدوات كيّ، ومثاقب جراحية، هذه النقوش ليست رمزية، بل توثيق حقيقي لممارسة طبية منظمة.

وأضاف: كان الطب يُمارس غالبًا داخل المعابد، حيث وُجدت حجرات مخصصة للعلاج، أشبه بما نطلق عليه اليوم «مستشفيات». وكان المرضى ينتظرون دورهم، والطبيب يحظى بمكانة رفيعة واحترام كبير داخل المجتمع.
◄ درجات الأطباء وتخصصاتهم
عرف المصري القديم التنظيم الإداري للطب، فكان هناك:
طبيب
كبير الأطباء
مفتش الأطباء
مدير الأطباء
وأوضح الدكتور مصطفى وزيري، أنه من أشهر الأطباء في التاريخ المصري القديم الطبيب حسي رع من الأسرة الثالثة، والذي يُعد من أوائل أطباء الأسنان المعروفين في التاريخ، وقد أثبتت النقوش أنه حمل لقب «كبير أطباء الأسنان والأطباء»، ما يدل على وجود تخصصات واضحة.
◄ الجراحة وطب الأسنان
برع المصري القديم في الجراحة بدرجة مذهلة؛ فقد أجرى عمليات في الرأس والبطن، وعالج الكسور والجروح، بل وتشير الأدلة إلى نجاح بعض جراحات المخ.

وفي طب الأسنان، عرف:
خلع الضروس
حشو الأسنان
علاج التهابات اللثة
وكان يستخدم الأفيون كمخدر طبيعي لتخفيف الألم أثناء العمليات، إضافة إلى خلطات عشبية ذات تأثير مسكن ومضاد للالتهاب.
◄ الأطراف الصناعية وتقويم العظام
وأشار وزيري، إلى أن الاكتشافات الأثرية كشفت عن وجود أطراف صناعية، مثل أصابع قدم خشبية تم تثبيتها بعناية، ما يدل على فهم متقدم لوظائف الجسم والحركة، كما عالجوا الكسور بجبائر خشبية ولفائف كتانية، وهي تقنيات تشبه مبادئ التجبير الحديثة.
اقرأ ايضا| حكايات| كيف واجه الفراعنة التحديات الصحية؟

- الختان وتنظيم الصحة الجسدية
مارس المصري القديم ختان الذكور كإجراء صحي وديني، وثّقته النقوش منذ الدولة القديمة. ولم يثبت تاريخيًا وجود ختان للإناث في مصر القديمة.
◄ الولادة ومعرفة نوع الجنين
أدرك المصري القديم الوضع الأمثل للولادة، حيث كانت السيدة تلد في وضع القرفصاء أو على «كرسي الولادة»، وهو وضع أثبت الطب الحديث ملاءمته.
والأكثر إدهاشًا، أنهم ابتكروا طريقة لمعرفة نوع الجنين؛ إذ كانت الحامل تتبول على وعاءين، أحدهما به شعير والآخر قمح:
إذا نبت الشعير أولًا، فالجنين ذكر
إذا نبت القمح أولًا، فالجنين أنثى
وقد وردت هذه الطريقة في برديات طبية شهيرة، أبرزها:
بردية إيبرس
بردية إدوين سميث
وهما من أهم المصادر التي وثّقت التشخيص والعلاج والجراحة في مصر القديمة.
◄ الطب بين العلم والروح
قسّم المصري القديم المرض إلى نوعين:
مرض عضوي ناتج عن إصابة أو خلل جسدي.
مرض روحي أو نفسي، يُعتقد أنه نتيجة «غضب الآلهة» أو الحسد.

وكان العلاج الروحي يتم بالبخور والتعاويذ داخل المعابد، تحت رعاية الإلهة إيزيس، التي عُرفت بإلهة الشفاء والسحر.
◄ طب العيون والكحل العلاجي
وأوضح الدكتور مصطفى وزيري، أن استخدم المصري القديم الكحل ليس للزينة فقط، بل لعلاج التهابات العين والوقاية من العدوى، خاصة في بيئة صحراوية مليئة بالغبار.
وقد أثبتت الدراسات الحديثة احتواء بعض أنواع الكحل القديمة على مركبات تساعد في مقاومة البكتيريا.
الطب في مصر القديمة لم يكن اجتهادات فردية، بل علمًا منظمًا قائمًا على الملاحظة والتجربة والتوثيق، ومن الجراحة الدقيقة، إلى طب الأسنان، إلى تنظيم المستشفيات، ومعرفة نوع الجنين، كلها شواهد تؤكد أن المصري القديم وضع أسسًا علمية سبقت عصرها بقرون طويلة.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







