قلوب تبنى وأياد تمنح.. سير لنماذج ملهمة لصناع الأمل، حين تصفو القلوب تتجدد حكايات الخير، بعيدا عن الأضواء وضجيج الشعارات، حيث لا يقاس العطاء بحجمه، بل بصدقه، ولا تروى القصص بحثا عن مجد، بل لتذكير الناس بأن الخير ممكن كل يوم، وأن التضامن ليس موسميا، بل سلوك حياة، وأن العطاء الصامت يصنع أثرا يبقى طويلا فى قلوب وعقول الناس.
اقرأ أيضًا | جامعة المنصورة تستقبل فرق «القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد»
لازمه التفوق فى جميع مراحل دراسته، فتخرّج فى كلية طب المنصورة متفوقًا، وقرر التخصص فى أمراض الباطنة حتى أصبح أحد أبرز أساتذتها وقد هاله ما رآه من الانتشار الواسع لأمراض الكبد، التى أصبحت المشكلة الصحية الأولى فى مصر، فتفرّغ لعلاج الأكباد العليلة وأسّس جمعية أهلية لرعاية المرضى، وأقام أهم مستشفى أهلى فى الشرق الأوسط لعلاج البسطاء منهم مجانًا.
الدكتور جمال شيحة، مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية رعاية مرضى الكبد ومستشفى الكبد المصري، وعضو التحالف العالمى للكبد، يؤكد أن تجربة مصر فى علاج فيروس سي غير مسبوقة فى تاريخ الطب على مستوى العالم.
وتحدث الدكتور جمال فى تصريحات خاصة لـ»الأخبار»، مستعيدًا ملامح مرحلة عصيبة من تاريخ الصحة فى مصر، حين كانت أمراض الكبد واقعًا مؤلمًا يراه الجميع فى تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما مع الانتشار الواسع لفيروس «سي»، مشيرًا إلى أن الأزمة كانت تتفاقم يومًا بعد يوم، فى ظل غياب علاج فعّال آنذاك، ما ضاعف من معاناة المرضى وأثقل كاهل أسرهم.
مع بداية عام 2006، بدأ استخدام حقن «الإنترفيرون» كخيار علاجى لمرضى فيروس سي، حاملةً معها أملًا جديدًا فى مواجهة المرض، إلا أن هذا الأمل ظل محدودًا، بسبب آثارها الجانبية الشديدة، فضلًا عن أن نسب الشفاء بها لم تتجاوز 45% فى أفضل النتائج، وهو ما قيد فاعليتها وأبقى معاناة المرضى قائمة.
وفى الوقت الذى لم يكن يتلقى العلاج سنويًا سوى نحو 40 ألف مريض، كانت أعداد الإصابات الجديدة تتراوح بين 100 و150 ألف حالة كل عام، ما جعل الفجوة تتسع بصورة تنذر بالخطر، ومع الزيادة المطردة فى أعداد المصابين، التى تخطت الملايين، وفى ظل غياب إحصاءات دقيقة آنذاك، بدا المشهد وكأن المرض يوشك أن يتحول إلى وباء.
وقال الدكتور شيحة: «لقد أدركنا خطورة المشكلة منذ وقت مبكر، فتمكّنا من تأسيس جمعية أهلية غير حكومية لا تهدف إلى الربح، ومشهرة بوزارة التضامن الاجتماعى برقم 817 لسنة 1997»، ثم حصلت على صفة النفع العام عام 2001، ومنذ ذلك الحين شهدت خدمات الجمعية توسعًا ملحوظًا، وأكد دكتور شيحة أنه تخفيفًا للعبء عن المرضى الذين كانوا يعانون مشقة الانتقال إلى مقر الجمعية، تقرر إنشاء فروع لها فى عدد من المحافظات، تيسيرًا لوصول خدماتها إليهم، وبذلك أصبحت الجمعية واحدة من أبرز الجمعيات المصرية التى تقدم هذه الخدمات المتميزة للمرضى مجانًا، بالقرب من مقار إقامتهم.
وتناول الدكتور شيحة تجربة مستشفى الكبد المصري، مؤكدًا أنه أحد الفروع التابعة لجمعية رعاية مرضى الكبد بالدقهلية، وهى مؤسسة طبية غير حكومية لا تهدف إلى الربح، تحمل على عاتقها مسئولية علاج الآلاف من المرضى مجانًا، إلى جانب تطوير الأداء الطبى وتعزيز التوعية الصحية من أجل الارتقاء بصحة المجتمع ككل.
وأوضح أنها تمثل خيارًا متميزًا للباحثين عن رعاية صحية متقدمة، إذ تجمع بين الدور العلاجى والبحثي، واضعةً المرضى غير القادرين فى صدارة اهتماماتها لتخفيف أعباء العلاج عنهم، اعتمادًا على المساهمة المجتمعية، ومستفيدة فى ذلك من أحدث ما توصل إليه العلم فى مجالى التشخيص والعلاج.. وأكد د. شيحة أن تجربة مصر فى علاج فيروس سى تمثل نموذجًا عالميًا فريدًا، وإنجازًا غير مسبوق فى تاريخ الطب الإنساني، بعدما تم فحص المواطنين على نطاق شامل، وعلاج المصابين دفعة واحدة، والذين تجاوز عددهم ثلاثة ملايين مريض.
وأوضح أن هذا النجاح ما كان ليتحقق لولا الدعم غير المحدود من الرئيس عبد الفتاح السيسي، من خلال مبادرته التى تُعد الأهم فى تاريخ الطب، والتى ستظل محل دراسة واهتمام على المستوى الدولي.
وأكد الدكتور أيمن عبد الفتاح، وكيل معهد الفنون الصحية التطبيقية والمشرف على القوافل الطبية، أن تجربة الجمعية والمستشفى تمثل نموذجًا مشرفًا يستحق أن يفخر به كل مصري.
وأشار إلى أحدث القوافل التى قادها لتشخيص وعلاج المرضى فى دولة نيجيريا، التى شهدت إقبالًا واسعًا، وتم خلالها توقيع الكشف الطبي، وإجراء الفحوصات اللازمة، وصرف الأدوية مجانًا، ما ترك أثرًا طيبًا فى نفوس النيجيريين الذين يبادلون مصر تقديرًا كبيرًا.
وأضاف أن هذه القافلة تأتى ضمن عشرات القوافل التى جرى تنظيمها فى مختلف المحافظات المصرية، مستهدفة بالأساس المناطق الأكثر احتياجًا، والتى تفتقر إلى الخدمات الطبية المتقدمة فى هذا المجال.. وشددت الدكتورة أميرة البيه، مدير جمعية رعاية مرضى الكبد، على استمرار الجمعية فى أداء رسالتها الإنسانية، ومواصلة دعم ورعاية مرضى الكبد صحيًا واجتماعيًا، بما يسهم فى تخفيف معاناتهم وتحسين جودة حياتهم.
وأشار الدكتور أحمد فرحات، مدير مستشفى الكبد المصري، إلى أن المستشفى استقبل وعالج خلال عام 2025 وحده نحو 56 ألف مريض من مختلف المحافظات، من بينهم أعداد ملحوظة قدمت من محافظات قنا وسوهاج والمنيا والفيوم، إلى جانب أبناء الدقهلية ومحافظات الدلتا.
وأوضح أنه تم إجراء جميع الفحوصات اللازمة لهم، من تحاليل وأشعات ومناظير وفحوص «فيبرو سكان»، فضلًا عن تنفيذ ما يقرب من 2000 جراحة خلال العام ذاته.
وقال المواطن السعيد جمال، 67 عامًا، من محافظة قنا، إنه توجه إلى المستشفى برغم أنه فى محافظة اخرى، حيث خضع لجلسات علاجية لورم كان يعجز عن تلقيها فى أى مكان آخر، نظرًا لارتفاع تكلفتها وعدم قدرته على توفير نفقاتها.
وأوضح مصطفى عويس، 43 عامًا، ويعمل بقطاع التعليم، أن الجمعية تولت علاجه وشقيقه وابن عمته من فيروس سى مجانًا، إلى جانب عدد كبير من أبناء قريته والقرى المجاورة.
وأشار المحمدى فودة، 69 عامًا، إلى أن المستشفى وفر له دواء الفيروس دون مقابل، وأجرى له لاحقا عملية جراحية كبرى مجانًا.
وبين أروقة المستشفى وقرى المحافظات وقوافل الخارج، تظل الرسالة واحدة وهى أن خدمة الإنسان أولًا، وصون حقه فى العلاج الكريم، لتبقى هذه المسيرة شاهدا على أن العطاء حين يكون خالصا، يثمر أثرا لا يزول.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







