بعد عقود من الغياب.. هل تعود المُقرئات إلى ساحة التلاوة؟

الشيخة كريمة العادلية
الشيخة كريمة العادلية


■ كتبت: ندى البدوي

في استوديو بسيط داخل مبنى الإذاعة المصرية بثلاثينيات القرن الماضي تجلس الشيخة منيرة عبده بعباءتها السوداء ونظارتها الداكنة أمام ميكروفونٍ ضخم، استعدادًا لبدء التلاوة.. لم يكن غريبًا آنذاك أن يصدح صوت امرأة بالقرآن الكريم وينتقل إلى بيوت المصريين عبر الأثير، غير أن هذا المشهد تبدّل تدريجيًا، مع صعود جدل فقهي واجتماعي حول مشروعية جهر المرأة بالقرآن أمام الرجال، لتعود المسألة إلى الواجهة مع اتساع المساحات الرقمية ونجاح برامج جماهيرية أعادت الاعتبار لفن التلاوة، بينما يعكس الحضور المتزايد لقارئات ومواهب نسائية فى فعاليات الأزهر الشريف تحولًا في الموقف من التلاوة العلنية للمرأة.

■ الشيخة منيره عبده

◄ منيرة عبده وكريمة العادلية من أوائل المقرئات في المراحل المبكرة للإذاعة

رحلةٌ من الحضور إلى الغياب قطعتها الأصوات النسائية فى تلاوة القرآن الكريم خلال العقود الماضية. فبعد أن عرفت مصر فى النصف الأول من القرن العشرين عددًا من المقرئات اللواتى ذاع صيتهن في الإذاعة المصرية، وتولين إحياء المآتم والليالي الدينية فى البيوت والسرادقات، غابت المُقرئة بشكل شبه كامل عن الفضاء العلنى.. هذا المسار التاريخي يرصد تفاصيله عبدالرحمن الطــويل الباحث في التراث السمعي، متتبعًا بدايــات الحضــور وأسـباب التراجع.

ويوضح فى حديثــه لـ«آخرساعة» أن المرحـلة الأولى من عمر الإذاعة المصرية، بين عامى 1934 و1940 شهدت حضورًا واضحًا لقارئات القرآن، من بينهن الشيخة منيرة عبده، وكريمة العدلية، وخوخة إسماعيل، وعطيات إبراهيم، ومنيرة الحضرى، واستمر بث تلاواتهن لعدة سنوات قبل أن يتوقف مطلع الأربعينيات، بدون قرارٍ مكتوب أو فتوى رسمية من الأزهر تقضى بذلك، حيث بدأت فى أواخر الأربعينيات ممارسات إقصاء غير معلنة، تمثلت فى «التلكؤ» فى إسناد التلاوات إلى القارئات، إلى أن اختفى الصوت النسائي تمامًا من الإذاعة بعد عام 1945.

■ الطالبة مريم عبدالعزيز

ويشير إلى أن هذا التحول ارتبط بجدل متصاعد حول مشروعية جهر المرأة بالقرآن، وطرح مقولات من قبيل «صوت المرأة عورة» واحتمالات الفتنة والاختلاط، وهى تأويلات يرى أنها غلبت عليها نزعة ذكورية متشددة، مرجحًا وجود أكثر من احتمال تاريخي وراء الإقصاء، من بينها صـــعود تيـارات محافظة وتغيرات اجتماعية وثقافية كبرى أثرت فى الذائقة العامة، فضلًا عن احتمالات المنافسة مع القراء الرجال الذين دفع بعضهم فى اتجاه تقليص حضور القارئات.

ويؤكد الطويل أن الظاهرة لم تكن هامشية فى بدايات القرن العشرين؛ إذ شاركت قارئات فى إحياء المآتم إلى جوار الرجال، كما وُجدت تسجيلات على أسطوانات لسكينة حسن فى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضى. واستمر حضور القارئات فى بعض المساحات المحلية، مثل الشيخة ليلى فى أسيوط والشيخة حسنة فى باب الشعرية، اللتين شاركتا فى إحياء الليالى والعزاءات النسائية، لكن المجال العام ظل مغلقًا أمام التلاوة العلنية للمرأة.

يتابع: هذا الغياب ترسخ في السـبعينيات والثمانينيات بفعل صعود التيارات المتشددة ومحاولتها فرض خطاب دينى أكثر تضييقًا فى تأويل النصوص، بينما لم تعتبر المؤسسات الدينية الرسمية المواجهة أولوية، فى ظل ارتفاع الصوت المتشدد والطعن فى منهج الأزهر بوصفه «مفرطًا» فى الاعتدال، كما تزامن ذلك مع بروز جيل من القراء ذوى الأصوات القوية، مما حد من الدافع المؤسسي لفتح ملف القارئات مجددًا، لتتكرس حالة التصالح مع إقصائهن.

■ سكينة حسن

ويرى عبدالرحمن الطويل أن الحديث عن عودة الأصوات النسائية لا ينفصل عن أزمة أوسع في مشهد التـلاوة بمصر، الذى يحتاج - حسبما يوضــح - إلــى إصلاحٍ هيكلي جذري، يشمل تأسـيـس معاهد متخصصة لإعداد القراء فنيًا وضبط قواعد التجويد، فى ظل ما يعتبره تراجعًا فى الذائقة الفنية وظهور قراء غير معتمدين، ويقارن ذلك بتجارب دول مثل إندونيسيا وماليزيا وإيران التى سبقت فى إنشاء مؤسسات متخصصة.

ويشير إلى أن وجود مواهب نسـائية ناشــئة تظـهر فى بعض الاحتفـــالات الكـبرى والفعاليات الرسمية، ربما يعكس تحوّلاً فى الموقف تجاه القضية، إلا أن الخوف من ردود الفعل والمحاذير الاجتماعية مازال حاضرًا، خاصة أن المجال التقليدى لممارسة حرفة التلاوة يتمثل فى المآتم بالأرياف، حيث تتحكم منظومة اجتماعية راسخة فى اختيار القراء، مما يطرح تساؤلات حول مدى تقبل مزاحمة المرأة فى هذا الفضاء.

في المقابل، يرى أن وسائل التواصــل الاجتماعي قصّرت المسافات ومنحت الموهـوبين - رجالًا ونساءً - فرصـًا أوسـع للظهور خارج القيود التقليدية، مما قد يفتح مسارًا مختلفًا لمستقبل التلاوة النسائية.

■ الشيخة خوجة إسماعيل

ومن جانبه يؤكد الدكتور أسامة رسلان المتحدث باسم وزارة الأوقاف، أن الرؤية الأزهــرية المصــريــة المســتنيرة لا ترى أى إشكال فقهى فى التلاوة العلنية للمرأة للقرآن الكريم، مشددًا على أنــه لا غضاضة مطلقًا فى أن تتعلم المرأة القرآن والعلوم الشرعية أو تقوم بتعليمها، ويستشهد بأن عددًا من أكابر العلماء فى تاريخنا وحاضرنا تعلموا على أيدى عالمات جليلات، ومنهم الإمام ابن حجر نفسه.

ويوضــح فى تصريحه لـ«آخـرساعة» أن الوزارة أفسحت المجال واسعًا للكفاءات النسائية من خلال «واعظات الأوقاف»، اللاتى يبلغ عددهن المئات وينتشرن فى مساجد الجمهورية، فى إطار رسالة نشر الوعى وبناء الإنسان. كما تنظم الوزارة مقارئ متعددة، من بينها «مقرأة الواعظات» المخصصة للنساء بمختلف الأعمار، ولها حضور كبير عبر المنصات الرقمية وصفحات التواصل الاجتماعى. 

ويكشف رسلان عن دراسة فكرة تخصيص فرع نسائى للمواهب الشابة ضمن مسابقة «دولة التلاوة»، التى حققت نجاحًا جماهيريًا لافتًا، معتبرًا أن دعم الأصوات النسائية الموهوبة يأتى فى سياق الاهتمام العام بالارتقاء بفن التلاوة. متابعًا: الحضور النسائي فى التلاوة لم يعد محل إشكال على المستوى الرسمى أو الفقهى وفق المقاربة الأزهرية، ورأينا ذلك فى فعاليات عدة، من بينها قراءة الطالبة الزهراء لايق قنديل أمام رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسى.

ويؤكد الدكتور مصطفى فريد منسق مدرسة الإمام الطيب للقرآن الكريم التابعة لمشيخة الأزهر الشريف أن المدرسة تتبنى مبدأ المساواة الكاملة بين الطلاب والطالبات فى اكتشاف المواهب وصقلها وتدريبها وتأهيلها للمشاركة فى المنافسات المختلفة، لا سيما بين الدارسين الوافدين الذين يمثلون نحو 140 جنسية.

ويوضــح أن المشاركة النسائية حاضرة فــى مختلف الفعاليات التى تنظمها المدرسة، في إطار دعم المواهب الناشئة، ومن بينها مسابقة «مواهب وقدرات» التى تضم مسارًا لتلاوة القرآن الكريم وآخر للإنشاد الدينى، إضافة إلى «ملتقى الوافدات.. شموس مضيئة» المعنى بإبراز النماذج النسائية البارزة. فضلًا عن تنفيذ برنامج للمحتوى الإعلامى الرقمى بالتعاون مع إحدى جهات الإنتاج، يهدف إلى تسليط الضوء على مواهب مدرسة الإمام الطيب فى التلاوة، بمشاركة عدد من الطالبات الموهوبات فى تلاوة القرآن الكريم لتسجيل حلقات قرآنية مخصصة للطلاب الوافدين.