في رواية يموتون غرباء للروائي اليمني الفَذّ محمد عبد الولي التي نشرت عام 1971، يموت بطل الرواية عبد الرحمن بعيداً عن قريته، حاملاً اليمن في قلبه وعقله وروحه. كان يحلم بالعودة، يؤجلها عاماً بعد عام، حتى صار التأجيل قدراً، وصار الموت خاتمةً لغربةٍ لم تنتهِ. تدور الرواية حول مأساة الهجرة اليمنية إلى القرن الإفريقي، حيث رحل بطل الرواية عبدُ الرحمن ــ مثل آلاف اليمنيين ــ إلى أرض غريبة بحثاً عن لقمة العيش. يترك قريته الفقيرة وهو يحلم بالعودة محمّلاً بالمال والكرامة، لكنه يجد نفسه عالقاً بين عالمين: لا أنه اندمج تماماً في أرض المهجر، ولا استطاع العودة إلى وطنٍ ظلّ يسكنه كحلمٍ مؤجّل. الرواية ليست حكاية فرد، بل مرآة لآلاف اليمنيين الذين “يذهبون ليعودوا، فيمكثون ليضيعوا”، ويكتشفون أن الغربة ليست مكاناً فحسب، بل حالة وجودية. كاتب الرواية يرسم مأساة الإنسان المعلّق بين جغرافيا وذاكرة، بين وطنٍ لا يعود إليه، وواقعٍ لا ينتمي إليه. إنها رواية الحنين المستحيل، والهوية الممزقة، والموت الصامت بعيداً عن الجذور.
قبل خمسة عقود ونيف، صرخ محمد عبد الولي في وجه المأساة اليمنية عبر بطله الذي عاش عمره مُؤجِّلاً العودة، حتى أدركه الموت بعيداً عن قريته. كانت الغربة آنذاك قدراً اقتصادياً، أما اليوم فقد صارت قدراً وطنياً عاماً. لم يعد اليمني المهاجر فقط هو من يموت غريباً؛ بل حتى من بقي، قد يعيش غربة داخلية قاسية في وطنه. صرنا جميعاً، كما لو أننا أبناء عبد الرحمن، نحمل وطناً في القلب لا نستطيع أن نعود إليه كما كان، ونعيش في أماكن لا نستطيع أن ننتمي إليها تماماً. وهكذا تتسع دائرة الغربة، من فردٍ إلى شعب، ومن روايةٍ إلى واقع. رواية الانسان اليمني اليوم المغترب في وطنه وخارجه غدت أشبه بالكوميديا السوداء. فالحرب الأهلية الطويلة حوّلت اليمن إلى منفى واسع، داخل حدوده وخارجه. تهاوى رأس المال الثقافي والأخلاقي، وتآكل رأس المال الاجتماعي وسقط معنى الحياة. تصدّعت الأسرة، وصار اليمني يعيش بجسدٍ هنا وروحٍ هناك، ينتظر عودةً لا تأتي.
رأس المال الثقافي والأخلاقي هو الرصيد غير المرئي من القيم والمعارف والسرديات المشتركة، التي تمنح المجتمع قدرته على تفسير ذاته وتوجيه مستقبله. إنه الأسرة التي تملك روحا وتمنح دفئا، أنه المدرسة التي تصوغ الوعي، والجامعة التي تنتج النقد، والخطاب الديني الذي يُهذّب السلوك، والمجالس التي تدرب الناس على الاختلاف دون اقتتال. في زمن حرب "الأخوة الأعداء" اليوم، تحطمت هذه الروافع المجتمعية. تعطلت المدارس، وتوقفت الجامعات أو أُفرغت من كوادرها، وانقسمت المنابر بين خطابات متناحرة. لم تعد الثقافة مساحة لقاء، بل صارت في كثير من الأحيان أداة تعبئة واستقطاب. تراجعت الفكرة الوطنية الجامعة، وتقدّمت الهويات الشّطرية، حتى ضاق الوطن في المخيال العام، وانكمش إلى حدود الفئة أو الحزب، المنطقة أو الجماعة.
وحين يفقد المجتمع سرديته المشتركة، يفقد معها بوصلته الأخلاقية. تتشظّى الحقيقة، ويتحول الخلاف إلى قطيعة، ويتراجع المعنى الذي كان يوحّد المُختلفين. هكذا تآكل رأس المال الثقافي بفعل الانقسام العميق في تعريف الوطن ذاته. في "يموتون غرباء" ظل عبد الرحمن يحمل قريته كيقينٍ داخلي لا يهتز، حتى وهو بعيد عنها. أما اليوم، فقد صار اليقين ذاته مُهتزّاً. لم يعد السؤال فقط: كيف نعود؟ بل: إلى أي وطن نعود؟ وحين يتشظّى الوطن، يتشظّى معه الانتماء.
كان المجتمع اليمني تاريخياً قائماً على شبكات وروابط حية متينة: الأسرة الممتدة، الجيرة الصاخبة والجوار الذي يمنح الطمأنينة، روح التكافل في الشدائد. كان الفرد يعرف أن خلفه جماعة تسنده، وأن سقوطه لن يكون وحيداً. لكن الحرب زرعت الشك في قلب هذه الشبكات. تعددت الولاءات، وتبدلت الجبهات، وصار الانتماء السياسي اختباراً يومياً للعلاقات. انقسمت الأسر بين أطراف متصارعة، وتخاصم الإخوة والجيران والأصدقاء في الرأي، وأصبح الصمت أحياناً أكثر أماناً من الكلام. تراكمت حوادث الخذلان، واشتد الخوف، فتشكلت ثقافة ريبة عامة. تراجعت المبادرات المدنية، وخَفُتتْ روح العمل الجماعي، وانكفأ الناس على دوائر ضيقة جداً ومُسمّياتٍ مُتنافرة بين شمالي وجنوبي، زيدي وشافعي، هاشمي وقبيلي، قنديل وزنبيل، “دحباشي" ولئيم، سيد وتابع، وطني وخائن، مناضل ومرتزق. في مثل هذا المناخ، يصبح الاحتياط فضيلة، والانغلاق حكمة، واللامبالاة درعاً نفسياً. كما كان عبد الرحمن في الغربة يعيش بين عالمين لا ينتمي لأيٍّ منهما تماماً، يعيش اليمني اليوم بين انتماءات متنازعة لا تمنحه طمأنينة. الاغتراب ليس مكاناً مجهولا؛ بل شعوراً "باللانتماء" بحسب تعريف كولن ويلسون.
لكن أقسى ما فعلته الحرب هو ما أحدثته داخل البيوت. الفقر الممتد، البطالة، النزوح، الفُقْد، الصدمات النفسية، كلها صنعت مناخاً من الكآبة الجمعية. صار الأب صامتاً أكثر مما ينبغي، مثقلاً بعجزٍ لا يريد الاعتراف به؛ الأم غارقة في قلقٍ دائم، تحاول حماية ما تبقى من استقرار؛ الأطفال الذين يفترض أن يكونوا ضِحكة البيت وبهجته، صاروا حِمْله الثقيل وحزنه الدائم، وغدت الأسرة كلها تحت ضغط كآبة قاتلة. تحت الضغط المزمن، يلجأ الإنسان إلى التبلّد الانفعالي. يقلل من تعاطفه كي لا ينكسر، يخفف من انفعاله كي لا ينهار. لكن حين يصبح هذا التبلد نمطاً عاماً، تتحول البيوت إلى فضاءات باردة، يعيش أفرادها متجاورين دون دفء حقيقي، يشبهون الضباع حين تنعزل في بَرّية قاسية، أو قِرَدة البابون حين تتفكك روابطها تحت وطأة الخوف، تتحرك في جماعات لكنها مفصولة عاطفياً ليتطور الحال إلى تبلّد عاطفي. هكذا، يتآكل الاستعداد للتضحية، ومع الإرهاق المزمن يصبح أقصى الطموح هو أن ينجو المرء بجلده.
في رواية عبد الولي، كان موت عبد الرحمن بعيداً عن قريته لحظة مأساوية تُلخِّص فشل الحلم بالعودة. مات وهو يحمل الوطن كصورة مثالية في ذاكرته، لكنه لم يلمسه من جديد. اليوم، تتكرر الصورة على نطاق أوسع. يموت اليمنيون اليوم في مختلف بلدان الشتات، في شقق مستأجرة وفنادق خاوية من الروح، بعيداً عن قبور آبائهم، يُصَلّى عليهم غُرباء لا يعرفون تفاصيل طفولتهم، ولا أسماء شوارع مدنهم وأزقة قراهم الذين ولدوا وترعرعوا فيها.
الاغتراب أكثر قسوة في الموطن الأصلي ومخيمات النزوح، لأنها تحدث في الجغرافيا ذاتها. يُقتَلع الناس من قراهم، يعيشون الترويع الدائم، تُختزل بيوتهم في خيام، وتُختصر ذكرياتهم في حقائب. حين يموت نازح، قد يُدفن في أرض لم يخترها، وتبكيه عيون مرهقة بالكاد تعرفه. لا تاريخ مشترك عميق، ولا روابط ممتدة؛ فقط ألمٌ متشابه يجمعهم مؤقتاً. حين يشعر الإنسان أن حياته تُعاش على الهامش، وأن موته لن يترك أثراً يذكر، يتراجع إحساسه بقيمة التضحية، لأن التضحية تفترض وجود جماعة تستحقها. وحين تضعف الروابط، ويضيق الانتماء، يصبح الإنسان مهدداً بأن يموت وحيداً حتى وهو محاط بالناس، وكأن عبارة “يموتون غرباء” لم تعد عنوان رواية، بل توصيفاً لمرحلة كاملة من التاريخ اليمني.
ليست الحرب الأهلية في اليمن هي التي فقط يقتل فيها الأخ أخيه لسبب لقّنه له غيره، ولا مجرد صراع على السلطة أو إعادة توزيع للنفوذ؛ بل هي عملية تفكيك عميق لبنية المجتمع، وانهيار مُتسلسل لرأس ماله الثقافي والاجتماعي ومنظومته الأخلاقية، وتحول بطيء في بنية الروح الجمعية. وكلما طالت الحرب تعاظمت مأساة اليمنيين بحجم الغربة التي صاروا يموتون في ظلها، داخل الوطن وخارجه. طول أمد الحرب خَلَقَ بيئةً نفسيةً واقتصادية تحكمها الطوارئ. في بيئة الطوارئ، يتعلم الإنسان أن يختصر اهتمامه في أضيق دائرة ممكنة؛ يبدأ بالأبناء، ثم ربما بنفسه فقط، يتجنب المخاطرة، يقلل من الانخراط، يختار الحياد أو الصمت. ومع الوقت، تتحول هذه الاستراتيجيات الدفاعية إلى نمط حياة؛ يصبح الحذر فضيلة، والانكفاء حكمة، واللامبالاة درعاً. وهكذا ينتقل المجتمع من ثقافة التضامن إلى ثقافة الانكفاء، لا لأن الناس فقدوا إنسانيتهم، بل لأنهم اُسْتنزِفوا حتى العظم. إن مجتمعاً بلا استعداد للتضحية هو مجتمعٌ هش؛ فالتضحية هي ما يربط الفرد بالمجموع، ويمنح الحياة معنى يتجاوز غريزة البقاء البيولوجية.
إن الرواية، رغم مرارتها، كُتبت لتذكرنا بقيمة الانتماء. فعبد الرحمن، وهو يموت، لم يتخلّ عن حلمه باليمن. لعل في ذلك درساً بليغا وهو أننا لا نستحق أن نموت غرباء، وأن الوطن — مهما تكسّر — يمكن أن يُرمَّم إذا عادت الثقة، وعاد السلام، وعاد الاستعداد للتضحية. حينها فقط، قد تتحول عبارة “يموتون غرباء” من قدرٍ محتوم إلى ذكرى أدبية، ويعود اليمنيون إلى بعضهم، لا كنازحين أو مهاجرين أو متخاصمين، بل كأبناء وطنٍ تعلّموا من جراحهم كيف يحبون من جديد، كيف يتسامحون ويتعايشون. عندها فقط، يمكن لليمني أن يخرج من محنته الراهنة، ويستعيد دفئه الإنساني، ويؤمن من جديد بأن التضحية ليست خسارة، بل أسمى أشكال الربح.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







