في قلب منطقة سقارة الأثرية، حيث تمتزج أصوات التاريخ بصمت الصخور، يقف هرم أوناس كرمز خالد للحضارة المصرية القديمة، شاهداً على عبقرية المعمار والفكر الديني منذ أكثر من أربعة آلاف عام.
لم يكن هرم أوناس مجرد قبر ملكي، بل كان تجربة فريدة في توثيق العقيدة، وابتكار نصوص جنائزية غير مسبوقة، أعادت تعريف مفاهيم الحياة بعد الموت وأسست لموروث ديني لا يضاهيه أي هرم سابق.
◄ لحظة فارقة في تاريخ العمارة المصرية
يقع هرم أوناس ضمن مجمع أهرامات سقارة، ويعود للملك أوناس، آخر ملوك الأسرة الخامسة، الذي حكم مصر نحو ثلاثين عاماً بين 2560 و2420 ق.م، واشتهر بولعه بالبناء والتشييد.

يعرف الهرم أحياناً باسم "أماكن أوناس الجميلة"، إلا أن الزمن قد قلل من ارتفاعه الأصلي البالغ 44 مترًا إلى نحو 19 مترًا فقط، بينما يبلغ طول كل ضلع نحو 67 مترًا، وهو مبني من كتل حجرية جيرية محلية.
يمثل هرم أوناس لحظة فارقة في تاريخ العمارة المصرية، فهو أول هرم ظهرت بداخله ما عُرف بـ"نصوص الأهرام"، وهي مجموعة من التعويذات والصلوات الجنائزية التي كانت تهدف إلى مساعدة الملك في رحلته إلى العالم الآخر.
◄ رمزية المسافة بين الأرض والشمس
تضم هذه النصوص، التي نُقشت على جدران حجرات الدفن، ما مجموعه 518 عموداً كتابياً، منها 386 على الجدران السفلى تمثل أيام السنة الكبيسة في التقويم القمري المصري القديم، و153 على السقف تعكس رمزية المسافة بين الأرض والشمس، كما لو أن الكهنة رسموا في الحجر علاقة الإنسان بالكون.
وعلى الرغم من تدمّر الهرم جزئياً عبر العصور، إلا أن غرفة الدفن الداخلية لا تزال تكشف عن بقايا مومياء، تشمل الجمجمة والذراع الأيمن والساق، دون تأكيد ما إذا كانت تعود للملك أوناس نفسه، أما إلى الشمال الشرقي من الهرم، فيوجد مصطبة تضم قبور قرينات الملك، ما يعكس التقاليد الجنائزية التي كان يتبعها الفراعنة في دفن الأسرة الملكية.

إلى جانب البعد الجنائزي، يعكس هرم أوناس براعة التصميم المعماري للمجموعة الهرمية، فالمجمع يضم معبد الوادي عند مدخل سقارة الحديث والمعبد الجنائزي عند قاعدة الهرم، ويربط بينهما طريق صاعد طويل كان مزينًا بنقوش ومناظر تصور الملك وهو يؤدي الطقوس الدينية، إلى جانب مشاهد الزراعة والصيد وحياة المصريين اليومية.
اقرأ ايضا| حاملة الخيرات.. سر الجمال الخالد من مقبرة «مكت رع» في متحف التحرير
وقد حفرت بعض هذه النقوش في الصخر مباشرةً، بما يعطي الزائر شعوراً بالعظمة والارتباط الروحي بالملك والخالق.
◄ نقطة تحول في تطور الطقوس الجنائزية
تعود أهمية هرم أوناس إلى كونه أول هرم استخدمت فيه الكتابة الدينية المنظمة داخل حجرات الدفن، حيث تظهر النقوش أقدم أدلة على اللغة المكتوبة التي استخدمها المصري القديم لنقل عقيدته ومعتقداته.
وقد أظهرت الدراسات الأكاديمية أن هذه النصوص، المعروفة بـ"سفرت حتبُت"، تحتوي على 111 تلاوة دينية، موزعة بين الجدران السفلى (75 تلاوة) والسقف (36 تلاوة)، وهي تمثل شكلًا متقدمًا من التعبير الديني عبر النص والرمز.

وقد شكل هرم أوناس نقطة تحول في تطور الطقوس الجنائزية؛ إذ إن النصوص المشابهة ظهرت لاحقاً في أهرام ملوك الأسرة السادسة، مؤثرة في مسار المعتقدات الدينية للملوك والخاصة بالآخرة.
كما أن بقايا المعبد الجنائزي والطريق الصاعد تعطي نظرة حية عن التنظيم والاهتمام بالتفاصيل في الحياة الملكية، من حيث الرمز والطقوس والزينة والنقوش التي تصور الملك في دور الوسيط بين البشر والآلهة.
بإجماله، لا يمثل هرم أوناس مجرد نصب حجري أو شاهدًا على مهارة البناء، بل نافذة لفهم تطور الفكر الديني والاجتماعي في مصر القديمة، فالنصوص التي يحتويها تثير التساؤل حتى اليوم، هل كانت مجرد طقوس حماية للملك في العالم الآخر، أم أنها ساهمت في صياغة معتقدات الحياة والموت التي انتشرت لاحقًا بين طبقات المجتمع المصري؟

وحتى اليوم، يستمر هرم أوناس في سرد حكاية حضارة غنية بالتفاصيل، حيث يلتقي المعمار بالدين والفن، ويصبح الزائر أمام درس حي في العلاقة بين الإنسان والكون، بين الأرض والشمس، وبين الحياة والموت.
إنه هرم صغير الحجم، لكنه عملاق في الرسالة والمعنى، يذكّرنا أن قيمة التاريخ لا تُقاس بالأمتار بل بالمعرفة التي يتركها عبر الأجيال.

زيادة المعاشات.. السيسي يحقق العدالة الاجتماعية ويدعم الأكثر احتياجًا
توجيهات الرئيس السيسي ترسم ملامح مرحلة جديدة من الحماية الاجتماعية
أسرار مدفونة في كرموز.. مقابر العمود تروي قصص سكان الإسكندرية





