«حكايات من كمت».. وزيري يكشف أسرار الرياضة والصحة في مصر القديمة| فيديو

برنامج «حكايات من كِيمِت»
برنامج «حكايات من كِيمِت»


مع أول أيام شهر رمضان المبارك، ينطلق برنامج «حكايات من كِيمِت» عبر قناة ومنصات "بوابة أخبار اليوم"، ليقدم تجربة إعلامية مختلفة تعيد قراءة الحضارة المصرية القديمة من منظور إنساني حيّ، بعيدًا عن الصورة النمطية التي تختزلها في الملوك والمعابد وحدها.

 فالبرنامج لا يتوقف عند عظمة الحجر، بل يتعمق في عظمة الإنسان الذي صنعه.

البرنامج تطلقه الكاتبة الصحفية والإعلامية ومدير تحريره شيرين الكردي، ويقدمه عالم المصريات الدكتور مصطفى وزيري في إطار توثيقي مشوّق، يقترب من تفاصيل الحياة اليومية للمصري القديم: 

كيف عاش؟ ماذا أكل؟ كيف بنى بيته؟ كيف تزوّج وربّى أبناءه؟ كيف تعامل مع المرض؟ وكيف صاغ منظومته القيمية والاجتماعية التي قامت عليها واحدة من أعظم حضارات التاريخ؟

وفي ثاني حلقات البرنامج، يفتح الدكتور مصطفى وزيري ملفًا شديد الأهمية، يكشف من خلاله عن أسرار الرياضة والصحة في مصر القديمة، موضحًا أن المصري القديم لم يكن فقط مهندسًا بارعًا أو فنانًا مبدعًا، بل كان أيضًا إنسانًا أدرك مبكرًا قيمة الجسد السليم والعقل الواعي، وربط بين اللياقة البدنية والاستقرار الاجتماعي والسياسي.

- الرياضة أسلوب حياة في كِمِت

يؤكد الدكتور وزيري أن ممارسة الرياضة في مصر القديمة لم تكن نشاطًا هامشيًا أو ترفًا للنخبة، بل كانت جزءًا أصيلًا من بنية المجتمع، فقد ارتبطت الرياضة بالتربية والتدريب العسكري والاحتفالات الدينية وحتى بشرعية الحكم.

وتكشف النقوش الأثرية المنتشرة في مواقع متعددة عن تنوع مذهل في الألعاب والأنشطة البدنية، من منطقة سقارة إلى مواقع الدولة الوسطى والحديثة، نجد مشاهد توثق التدريبات البدنية، والمنافسات، وألعاب الترفيه، في دلالة واضحة على أن المصري القديم كان ينظر إلى الجسد باعتباره أداة عمل وقوة وحماية.

 

لكن أبرز الشواهد تأتي من مقابر بني حسن، حيث صُوّرت أكثر من 220 حركة مختلفة لرياضة المصارعة، في مشاهد تفصيلية دقيقة تُظهر مراحل الاشتباك والحركة والخداع والإسقاط، هذا العدد الكبير من الوضعيات لا يعكس مجرد نشاط رياضي عابر، بل يدل على وجود نظام تدريبي منظم، وربما مدارس متخصصة لتعليم هذه الرياضة.

- المصارعة.. مدرسة للقوة والانضباط

تُعد المصارعة من أهم الرياضات التي مارسها المصري القديم، ويشرح الدكتور وزيري أن هذه الرياضة لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت تدريبًا فعليًا على القتال والانضباط والتحمل.

تظهر النقوش أن اللاعبين كانوا يمارسون تقنيات متنوعة تشمل الإمساك بالذراعين، إسقاط الخصم، تثبيت القدمين، المناورة الجسدية، والمراوغة، بعض المشاهد يُظهر مراحل متتابعة للحركة، وكأن الفنان المصري القديم أراد أن يوثق درسًا تدريبيًا متكاملًا.

وتكشف هذه المناظر أن المصريين أدركوا مبكرًا أهمية اللياقة البدنية في إعداد الجنود وحماية الدولة. فالقوة الجسدية لم تكن صفة فردية فحسب، بل عنصرًا من عناصر أمن المجتمع واستقراره.

- تنوع رياضي يعكس مجتمعًا نابضًا بالحياة

لا تتوقف الحكاية عند المصارعة، فالمصري القديم مارس طيفًا واسعًا من الألعاب والأنشطة الرياضية التي تعكس حيوية المجتمع، ظهرت مناظر نط الحبل في مشاهد ترفيهية، خاصة بين الفتيات، في دلالة على أن الرياضة لم تكن مقتصرة على الرجال أو الجنود فقط، كما ظهرت مشاهد شد الحبل كمنافسة جماعية تتطلب التعاون والقوة.

أما لعب الكرة، فكان حاضرًا بوضوح، حيث صُنعت الكرات من الجلد وحُشيت بالقش أو ألياف النباتات، وقد عُثر على نماذج أصلية محفوظة في المتحف المصري، ما يؤكد أن هذه اللعبة لم تكن خيالًا فنيًا، بل ممارسة حقيقية في الحياة اليومية.

وفي مجتمع يرتبط وجوده بنهر النيل، كانت السباحة مهارة أساسية، تشير المناظر إلى وجود مسابقات سباحة، حيث كان يُستخدم اللونان الأبيض والأسود للتمييز بين الفرق المتنافسة، في مشهد يقترب كثيرًا من مفهوم المنافسات الرياضية الحديثة.

- الصيد.. رياضة تجمع بين القوة والمهارة

يوضح الدكتور وزيري أن الصيد كان نشاطًا يجمع بين الترفيه والاحتراف، فقد مارس المصريون الصيد باستخدام الشباك لاصطياد الطيور فوق الماء، كما استخدموا شباكًا أخرى لصيد الأسماك في النيل.

وتُظهر بعض النقوش مشاهد لصيد الحيوانات البرية، بما يعكس مهارة في التخطيط والتنسيق والعمل الجماعي، لم يكن الصيد مجرد وسيلة للحصول على الطعام، بل تدريبًا عمليًا على التركيز والدقة والتحمل.

- التحطيب.. رياضة ممتدة عبر الزمن

من الرياضات اللافتة التي تناولتها الحلقة المبارزة بالعِصي، المعروفة اليوم باسم «التحطيب».

 يوضح الدكتور وزيري أن هذه الرياضة كانت تمارس في مصر القديمة كنوع من التدريب واللعب الاستعراضي، وليست قتالًا حقيقيًا، كانت تتطلب سرعة حركة وتوازنًا ودقة في استخدام العصا، وتعكس مهارات قتالية تحولت بمرور الزمن إلى طقس احتفالي لا يزال حاضرًا في صعيد مصر حتى اليوم.

- رياضة العقل.. لعبة «السِنت»

لم يغفل المصري القديم أهمية الصحة العقلية، فقد مارس ألعابًا ذهنية أبرزها لعبة سِنت، وهي لعبة لوحية استراتيجية تعتمد على التفكير والتخطيط.

عُثر على ألواح اللعبة في مقابر عدة، ما يشير إلى أهميتها الاجتماعية وربما الرمزية، كانت «السِنت» تدريبًا للعقل على الحساب والتوقع واتخاذ القرار، بما يؤكد أن مفهوم الصحة عند المصري القديم كان متكاملًا: جسد قوي وعقل واعٍ.

- «الحِب سِد».. اللياقة شرط استمرار الحكم

من أكثر المحاور إثارة في الحلقة حديث الدكتور وزيري عن عيد «الحِب سِد»، الاحتفال الملكي الذي كان يُقام بعد مرور ثلاثين عامًا على اعتلاء الملك العرش.

كان هذا العيد بمثابة تجديد رمزي لشرعية الملك، ويتضمن طقوسًا تؤكد قدرته الجسدية، ومن بين المشاهد المرتبطة به طقس مطاردة ثور قوي وقتله، في إشارة إلى أن الملك ما زال يتمتع بصحة ولياقة تؤهله للاستمرار في الحكم.

هذا الطقس يعكس فلسفة عميقة: الحاكم في مصر القديمة لم يكن رمزًا فقط، بل كان نموذجًا للقوة الجسدية والقدرة على القيادة، فإذا فقد قوته، فقد أحد شروط شرعيته.

- فلسفة متكاملة للصحة والحياة

تكشف الحلقة أن المصري القديم لم يفصل بين الجسد والعقل، ولا بين الرياضة والسياسة، ولا بين الترفيه وبناء الدولة، كانت الرياضة جزءًا من منظومة شاملة تهدف إلى إعداد إنسان قادر على العمل والإنتاج والدفاع والتفكير.

فالطفل كان يتعلم الحركة والتوازن، والشاب يتدرب على القوة والانضباط، والملك يخضع لطقوس تؤكد لياقته، والمجتمع كله يمارس أنشطة تعزز التماسك والروح الجماعية.

- برنامج يعيد اكتشاف الإنسان المصري القديم

يُعرض برنامج «حكايات من كِمِت» أسبوعيًا يومي الاثنين والخميس في تمام الساعة الثالثة عصرًا طوال شهر رمضان، ليقدم محتوى يجمع بين الدقة العلمية والسرد الإنساني الجذاب.

وفي حلقته الثانية، نجح البرنامج في تقديم صورة مختلفة للمصري القديم: ليس فقط باني الأهرامات والمعابد، بل إنسانًا اهتم بصحته، مارس الرياضة، نافس، لعب، خطط، وفهم مبكرًا أن بناء الحضارة يبدأ ببناء الإنسان.

وهكذا تبدأ الحكاية.. بعقل صنع أثرًا، وبجسد حمل الحجر، وبإنسان آمن أن القوة ليست في السلاح وحده، بل في الصحة والانضباط والتوازن، حضارة لم تبنِ الحجر فقط، بل بنت الإنسان أولًا، فبقي أثرها شاهدًا على وعيٍ سبق زمانه بآلاف السنين.