«قبلة الصوفية» فى قلب البادية

مسجد الشاذلى ينتظر يد التطوير فى وادى «حميثرة»

 مسجد العارف بالله سيدى أبو الحسن الشاذلي
مسجد العارف بالله سيدى أبو الحسن الشاذلي


على مسافة تقترب من ألف كيلومتر من مدينة أسيوط، تمتد رحلة شاقة عبر طرق الصحراء الشرقية من مدينة سفاجا إلى القصير ومنها إلى مدينة مرسى علم، وحتى الوصول إلى مقص الرحلة ومبتغاها «وادى حميثرة» فى قلب الصحراء بين حلايب وشلاتين، حيث يستقر مسجد العارف بالله سيدى أبو الحسن الشاذلي، أحد أبرز المزارات الصوفية فى مصر.
 

الرحلة فى فصل الشتاء تحمل مشقة خاصة، إذ تتبدل درجات الحرارة بين برودة قاسية ليلاً واعتدال نهاري، بينما تحاصر الجبال المكان فى صمت يفرض هيبته على الزائرين.
الإمام العارف بالله أبو الحسن الشاذلى انتقل إلى الرفيق الأعلى فى عهد الدولة المملوكية وتحديداً فى السنة التى كان يحكم فيها محمود ابن ممدود المُلقب بقطز والياً عن المنصور بن عز الدين أيبك قائد المماليك الصالحية، وقد اهتمت الدولة ببناء المسجد وقتها مع وضع شاهد للمقام نُقش عليه وقت وفاته وبناء المسجد حيث قام العارف بالله المرسى أبو العباس وهو أحد تلاميذه بالغسل والدفن فى وادى حميثرة من صحراء عيذاب التى توفى فيها وطورت الأوقاف المسجد ليصبح صرحاً مملوكياً مقاماً بالحجر الجيرى بالكامل ولُقب بأسد الجبال.
يقع المسجد فى وادٍ منعزل، بعيد عن مظاهر العمران الحديثة، ويُعد مقصداً لآلاف الزوار والمريدين ومحبى التصوف، الذين يقصدونه طلباً للسكينة والتبرك، واستعادة سيرة أحد أعلام الفقه المالكى والفكر الصوفى الإسلامى ولقب بقطب عصره، الذى ينتسب إلى سيدنا الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما، ومع الاقتراب من المسجد، تتلاشى ضوضاء الطريق، ويحل محلها شعور عام بالطمأنينة، يعكس خصوصية المكان التى تجمع بين الروحانية والتاريخ كما أنه يعود الإنسان للحياة البدائية فلا شبكات محمول ولا إنترنت.
ورغم المكانة الدينية للمسجد، تواجه المنطقة تحديات خدمية واضحة، أبرزها: أزمة المياه، فلا تتوافر فى الوادى سوى مياه مالحة غير صالحة للشرب، فى ظل رفض المجلس القروى صرف المياه العذبة إلى الساحات الصوفية المحيطة بالمسجد، والتى تمثل نحو نصف مساحة القرية، هذا الواقع يفرض أعباء إضافية على الزائرين، خاصة خلال مواسم الزيارة، حيث يضطر البعض إلى جلب احتياجاته من المياه لمسافات طويلة، أو الاكتفاء بما هو متاح رغم صعوبته ، ففى هذا الشتاء يصعب تركيب سخان مياه مع ملوحة المياه.
الساحات الصوفية المحيطة بالمسجد تتحول فى مواسم الذكر والزيارة إلى فضاء مفتوح يعج بالمريدين من مختلف المحافظات، فى مشهد إنسانى يعكس التنوع الاجتماعى والثقافى لرواد التصوف فى مصر، وعلى الرغم من غياب بعض الخدمات الأساسية، فإن الزائرين يؤكدون أن مشقة الطريق وقسوة الظروف لا تقلل من قيمة التجربة الروحية التى يعيشونها فى هذا الوادى المعزول.
ويتميّز المكان بهدوء نادر، لا تكسره سوى أصوات الدعاء أو تلاوة القرآن، مما يمنح الزائر فرصة للتأمل والانفصال المؤقت عن صخب الحياة اليومية وصعوبات الحياة، ويقول عدد من الزائرين إن الرحلة إلى حميثرة لا تُقاس بطول المسافة، بل بما تتركه فى النفس من صفاء وراحة داخلية.
يبقى مسجد العارف بالله أبو الحسن الشاذلى شاهداً على عمق التجربة الصوفية فى مصر، ومثالاً لمواقع دينية تحمل قيمة روحية وتاريخية كبيرة، لكنها فى الوقت ذاته تحتاج إلى اهتمام أكبر بالبنية الأساسية، بما يليق بمكانتها وبأعداد الزائرين الذين يقصدونها سنوياً، فى رحلة إيمانية لا يزال وادى حميثرة يحتفظ بسرها الخاص.