الفول المدمس| الطبق المصري القديم الذي لا يغيب عن موائد السحور

الفول المدمس
الفول المدمس


ليس مجرد وجبة شعبية يتناولها الملايين مع أذان الفجر، بل حكاية تمتد جذورها إلى آلاف السنين، طبق بسيط المكونات، عميق الدلالة، ارتبط بالمصريين منذ فجر التاريخ، ونجح في أن يحجز لنفسه مكانا ثابتا على موائد الإفطار والسحور، حتى صار رمزا يوميا للحياة المصرية.

اقرا أيضأ|حلقة درامية تنتهي بالاعتقال| ماذا يحدث بكواليس مسلسلات رمضان في ليبيا؟


ويعد الفول المدمس الطبق الشعبي الأول في مصر، إذ يطهى ببطء داخل "الدماسة" حتى ينضج على نار هادئة، ثم يقدم بزيت الزيتون أو الطحينة أو الليمون والكمون، وبفضل قيمته الغذائية العالية وغناه بالبروتين والألياف، أصبح وجبة أساسية لا تغيب عن البيوت، خاصة في شهر رمضان.


وتشير الشواهد التاريخية إلى أن جذور هذا الطبق تعود إلى عصور المصريين القدماء، الذين استخدموا الفول في البداية كعلف للحيوانات قبل أن يتحول إلى غذاء للبشر، وقد عثر على بذوره في قبور تعود إلى عصر الأسرات، كما ظهر في مدينة طيبة خلال الدولة الحديثة، ما يؤكد حضوره في تفاصيل الحياة اليومية والطقوس الدينية آنذاك.


وفي برديات طبية قديمة مثل بردية إيبرس وبردية هاريس، ورد ذكر الفول بأسماء متعددة، ما يعكس أهميته الغذائية والعلاجية في الحضارة المصرية، أما كلمة "مدمس"، فيرجح أنها مشتقة من لفظ مصري قديم يعني "مدفون"، في إشارة إلى طريقة طهيه التقليدية، حيث كان يدفن في الرماد أو يوضع داخل قدور تترك في أفران مشتعلة لساعات طويلة حتى ينضج ببطء، وهناك رواية أخرى تنسب التسمية إلى رجل يوناني يدعى "ديموس" استغل حرارة حرق المخلفات لتسوية الفول، قبل أن تنتشر الطريقة بين الناس.


ولم يكن الفول طعاما عابرا، بل ظهر في نقوش ومعابد، منها مقبرة الوزير رخمي رع في عهد تحتمس الثالث، حيث صور ضمن القرابين والمخزون الغذائي للمعابد، ما يدل على مكانته الاقتصادية والاجتماعية.


ومع مرور الزمن، تنوعت طرق إعداد الفول داخل مصر؛ ففي القاهرة يفضل بالزيت والليمون، وفي الإسكندرية يضاف إليه البصل والطحينة، بينما يبتكر أهل الدلتا والصعيد وصفات أكثر دسامة بالبيض أو الصلصة أو الشطة، ومن مصر انتقل إلى السودان حيث يلقب بـ"حبيب الشعب"، كما وصل إلى الحجاز عبر الحجاج المصريين، ليصبح وجبة رئيسية على الإفطار في رمضان.


ورغم شيوع نسبته إلى مصر، تشير بعض الدراسات إلى العثور على بقايا فول تعود إلى عصور أقدم في مناطق من فلسطين والبحر المتوسط، ما يفتح باب الجدل حول أصوله الأولى، إلا أن الأدلة الأثرية تؤكد حضوره المبكر في الحضارة المصرية، حيث احتُفظ ببذوره المكتشفة في مواقع أثرية داخل المتحف الزراعي بالجيزة.


هكذا يبقى الفول المدمس أكثر من مجرد طبق يؤكل عند السحور؛ إنه قصة حضارة نضجت على نار هادئة، وامتدت من أفران الفراعنة إلى موائد رمضان الحديثة، وبين الجدل حول أصوله وتنوع وصفاته، يظل هذا الطبق البسيط شاهدا حيًا على قدرة الطعام على حفظ ذاكرة الشعوب عبر العصور.