حوار الجرانيت والميادين "السطوحى"|

نشر منحوتات سيمبوزيوم أسوان لتزيين المحافظات.. ضرورة حضارية

بالحديقه الدوليه القاهره
بالحديقه الدوليه القاهره


في أسوان، حيث يلامس الجرانيت ضوء النيل، لا يبدو الحجر صامتًا، بل حيًا بذاكرة الأجداد هنا خرجت المسلات وتماثيل الخلود، وهنا يعود الحفيد ليحاور الصخر ذاته، لا مقلدًا، بل مجددًا في هذه المدينة التي علّمت العالم كيف يُنحت الزمن في حجر، يلتقي تراث المصري القديم بموهبة المصري المعاصر، فتتعانق الأزمنة فوق أرض واحدة، ويثبت الجرانيت مرة أخرى أن الجمال في مصر ليس ماضيًا يُزار… بل روحًا تتجدد في أقصى جنوب مصر، حيث ما تزال المحاجر شاهدة على عبقرية الأجداد في تطويع الجرانيت، وُلد حلم فني كبير اسمه سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت؛ ذلك المشروع الذي أعاد وصل الحاضر بذاكرة الفراعنة، وجعل من الصخر الصلب لغةً معاصرة للجمال.

اقرأ أيضًا | أول فعالية تحضرها وزيرة الثقافة الجديدة.. طرزان ورفاقه أبطال الظل في سمبوزيوم أسوان

عودة الروح إلى الجرانيت

في عام 1996، أسّس الفنان الراحل آدم حنين السمبوزيوم، ليكون أول ملتقى عربي للنحت على حجر الجرانيت. لم يكن الأمر مجرد فعالية فنية، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يطمح إلى إحياء تقاليد النحت المصري القديم، واختيار أسوان لم يكن مصادفة؛ فهي المدينة التي تبعد نحو 900 كيلومتر جنوب القاهرة، والمعروفة تاريخيًا بمحاجر الجرانيت التي استخرج منها المصريون القدماء حجارة معابدهم وتماثيلهم. ومن هنا جاء السمبوزيوم امتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل من تطويع الصخر وتحويله إلى جمال خالد.

ذاكرة معاصرة

على مدار ثلاثة عقود، تحوّل السمبوزيوم إلى موعد سنوي ثابت، يشارك فيه نحاتون من مصر ومختلف دول العالم. أكثر من 200 فنان أجنبي من فرنسا وسويسرا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبلغاريا وتركيا وكوسوفو وبيلاروسيا، ومن عدة دول عربية منها: لبنان والمغرب وسوريا والبحرين والعراق، فضلاً عن مئات الفنانين المصريين، تركوا بصمتهم على صخور أسوان فى أكثر من 400 عمل نحتي ضخم، تشكل اليوم أحد أهم أرشيفات النحت المعاصر في المنطقة.

المتحف المفتوح 

مع تراكم الأعمال، برزت الحاجة إلى فضاء يحتضن هذا الإرث، فكان إنشاء المتحف المفتوح بمنطقة الشلال جنوب مدينة أسوان متحف فريد من نوعه، ممتد على مساحة تزيد عن 25 فدانًا، فوق ربوة تطل على البحيرة الواقعة بين خزان أسوان والسد العالي. هنا، تقف المنحوتات في فضاء بلا جدران، تتجاور مع الصخور الطبيعية، وتتماهى مع الجبال والسماء، في مشهد يختلط فيه الفن بالطبيعة. إنه أكبر تجمع لأعمال السمبوزيوم، ويُعد من أضخم متاحف الهواء الطلق للنحت المعاصر في العالم.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تطوير الطريق المؤدي إليه، وإنشاء بوابة أمنية  لإدراجه ضمن المزارات السياحية الرسمية بأسوان، في إطار تعاون بين وزارات الثقافة، والسياحة والآثار ومحافظة اسوان، ليصبح محطة أساسية على خريطة السياحة الثقافية.




من أسوان إلى ميادين مصر

لم تبقَ الأعمال حبيسة الجنوب فمنذ البدايات، بدأت بعض المنحوتات في الانتقال إلى ميادين وحدائق المحافظات المختلفة. مثل: الحديقة الدولية، ودار الاوبرا المصرية بالقاهرة، وفى مدخل قلعة قايتباى، بحرى الإسكندرية، وغيرها.

واكد المعمارى حمدى السطوحى مساعد وزير الثقافة ورئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية أن أهداف السمبوزيوم تتجاوز مجرد النحت؛ إذ تسعى الدولة إلى نشر هذه الأعمال في الميادين والمناطق العامة بالمحافظات المختلفة، مثل مدينة الفنون بالعاصمة الإدارية الجديدة، والإسكندرية، والقاهرة، وذلك ضمن رؤية تهدف لتجميل الفضاء العام بلمسات فنية قوية.

وأضاف أن هذا التوجه، الذي تتبناه وزارة الثقافة عبر صندوق التنمية الثقافية، لا يهدف فقط إلى عرض الأعمال، بل إلى نشر الفن في الفضاء العام، ومواجهة القبح بالجمال، وترسيخ فكرة أن الفن ليس رفاهية، بل ضرورة حضارية، حفاظًا على ذاكرة النحت المعاصر، وإتاحة الفرصة للجمهور في مختلف المحافظات للتفاعل مع هذه التجارب البصرية.

من جانبه أكد المهندس محمد أبو سعدة، رئيس الجهاز القومى للتنسيق الحضارى، ان الجهاز  على اتم الاستعداد للتعاون مع صندوق التنمية الثقافية في مشروع تجميل ميادين مصر، من خلال الاستفادة بالأعمال النحتية التي يتم تنفيذها بالسمبوزيوم وغير مخطط وضعها في المتحف المفتوح، وأضاف انه سيقوم بالتنسيق في هذا الموضوع مع المعمارى حمدي السطوحي رئيس الصندوق.

الحفر في الذاكرة

السمبوزيوم هذا العام يبلغ دورته الثلاثين؛ ثلاثون عامًا من العمل المتواصل، ومن التجريب على حجر عنيد لا يستجيب إلا لمن يفهم لغته. أعادت النحت المصري المعاصر إلى الساحة الدولية، وخلقت حوارًا بصريًا بين فناني مصر والعالم.

هكذا، لم يعد سمبوزيوم أسوان مجرد مهرجان للنحت، بل صار علامة حضارية تؤكد أن مصر، التي علّمت العالم كيف يُنحت الحجر، ما زالت قادرة على أن تجدد هذا الدرس، وأن تملأ ميادينها بالجمال، كما ملأت تاريخها ذات يوم بالمسلات والتماثيل الخالدة.