طلقة لا تخطئ موعدها.. حكاية مدفع «الحاجة فاطمة»

حكاية مدفع «الحاجة فاطمة»
حكاية مدفع «الحاجة فاطمة»


بينما تميل الشمس نحو المغيب، وتصمت شوارع القاهرة في ترقب مهيب، انتظارا للحظة ذهاب الظمأ وارتواء النفوس، فجأة يشق السكون دوي هائل حاملا الفرحة للقلوب «مدفع الإفطار .. اضرب».

لم تكن هذه الجملة مجرد إشارة لانتهاء يوم من الصيام، بل سيمفونية مصرية خالصة، بدأت بالصدفة وصارت دستورا للحظة الإفطار في رمضان، تحيي ذكرى «الأميرة فاطمة»، التي منحت الحديد روحا، وحولته من آلة للحرب إلى أيقونة للبهجة.

وللمدفع سحر خاص لا تملكه الساعات الرقمية أو تطبيقات الهواتف، إنه اللحظة التي يرتفع فيها آذان المغرب معلنا انتهاء يوم صيام، و من بين رموز شهر رمضان التي التصقت بالوجدان الشعبي المصري، يبرز مدفع الحاجة فاطمة كأحد أقدم الشواهد على امتزاج التاريخ بالعقيدة، والعادة بالإيمان.

إنه صوت يعرفه الصائم قبل أن يراه، وينتظره الناس بشوق لا يقل عن انتظار الأذان، لأنه لم يكن يومًا مجرد آلة حربية، بل تحول عبر الزمن إلى علامة للسكينة، ورسولٍ يعلن لحظة الإفطار والإمساك، جامعًا بين الماضي والحاضر في مشهدٍ مهيب يتكرر كل عام، كما كشف لنا الدكتور محمود حامد الحصري مدرس الآثار واللغة المصرية القديمة جامعة الوادي الجديد عن حكاية مدفع الحاجة فاطمة.

بداية الحكاية

يُعد مدفع الحاجة فاطمة واحدًا من أشهر مدافع رمضان في مصر، ويمتد تاريخه إلى أكثر من 153 عامًا، حيث يعود تصنيعه إلى عام 1871م ضمن سلسلة مدافع أُنتجت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وكانت تُستخدم في الحروب آنذاك، ومع انتقال هذه المدافع إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل، تغيّر دورها من أدوات حرب إلى رموز دينية واجتماعية ارتبطت بشهر رمضان المبارك.

 أصل الحكاية وتسميته

تروي الأجيال أن قصة المدفع بدأت حين كان أحد الجنود ينظف مدفعًا في العاصمة، فانطلقت منه طلقة عن طريق الخطأ وقت غروب الشمس، فدوى صوتها في أرجاء المدينة، ظنّ الأهالي أن هذا الصوت إعلان رسمي من الأسرة الحاكمة بموعد الإفطار، وانتشر الأمر سريعًا بين الناس.

وعندما وصل الخبر إلى الحاجة فاطمة، ابنة الخديوي إسماعيل، أصدرت فرمانًا يقضي بإطلاق المدفع يوميًا عند الإفطار وعند الإمساك طوال شهر رمضان، ليصبح هذا التقليد عادة رسمية وشعبية، ومن هنا حمل المدفع اسمها تكريمًا لها، وأُطلق عليه بين الناس «مدفع الحاجة فاطمة».

 

 وصول المدفع إلى الأقصر

وصل مدفع الحاجة فاطمة إلى محافظة الأقصر ضمن سلسلة المدافع التي تم توزيعها على مختلف محافظات مصر لتنفيذ فرمان الحاجة فاطمة، واستقر المدفع في مواقع متعددة داخل المدينة على مر السنين، حتى أصبح اليوم موجودًا أمام مقر الحماية المدنية وبجوار مركز شرطة بندر الأقصر، حيث يشرف رجال الحماية المدنية على إطلاقه يوميًا خلال شهر رمضان.

ويُطلق المدفع باستخدام بطاريات كهربائية خاصة، ليصل صوته إلى مختلف أنحاء المدينة، محافظًا على طابعه اليدوي القديم الذي يميّزه عن الوسائل الحديثة.

طقوس رمضان حول المدفع

كان لمدفع رمضان في الأقصر طقوس احتفالية مميزة، خاصة في ليلة رؤية الهلال، حيث كان يخرج موكب مهيب من أمام مركز الشرطة، تتقدمه الموسيقى وراكبو الخيل، ويحيط به الجنود من الجانبين، بينما يُجر المدفع بواسطة أربعة خيول ومزين بالورود، في مشهد يعكس فرحة الأهالي بقدوم الشهر الكريم.

وكان الأطفال والكبار يتجمعون يوميًا قبل المغرب لمشاهدة لحظة الإطلاق، في مشهدٍ لا يزال حاضرًا في الذاكرة الجماعية للأقصر.

طرائف وحكايات خالدة

لم يخلُ تاريخ المدفع من المواقف الطريفة والمؤثرة، ومن أشهرها ما حدث عام 1932، حين كان الطقس غائمًا بشدة، فأطلق الجندي المكلف المدفع قبل موعده بعشر دقائق، مما دفع غالبية الصائمين إلى الإفطار مبكرًا دون علمهم.

أما الحكاية الأكثر تداولًا، فكانت في رمضان 1945، حين أقام أحد أصدقاء الملك فاروق في فندق «ونتربالاس» بالأقصر، واشتكى من صوت مدفع الإمساك لأنه يوقظه ليلًا، صدر أمر رسمي بعدم إطلاق المدفع فجرًا طوال فترة إقامة الضيف، إلا أن مأمور الأقصر رفض تنفيذ القرار احترامًا لقدسية العادة، عُوقب المأمور ونُقل من منصبه، وكان وداعه مؤثرًا لأهالي المدينة.

وبعد أسابيع قليلة من الواقعة، اغتيل وزير الداخلية محمود فهمي النقراشي، فاعتبر أهل الأقصر ما حدث انتقامًا إلهيًا بسبب إسكات مدفع الإمساك، لترسخ هذه الحادثة مكانة المدفع كرمزٍ مقدس في قلوبهم.

 

قيمة المدفع اليوم

لم يعد مدفع الحاجة فاطمة مجرد وسيلة لمعرفة وقت الإفطار، بل أصبح تراثًا حيًا يعكس ارتباط المصريين بتاريخهم وعاداتهم الرمضانية، إنه شاهد على قدرة التقاليد الشعبية على البقاء، وعلى كيف يمكن لآلة صنعت للحرب أن تتحول إلى صوتٍ للرحمة، يجمع الناس على مائدة واحدة، ويذكرهم بأن رمضان ليس فقط صيامًا، بل ذاكرة وهوية ووجدان مشترك.

وهكذا، يظل مدفع الحاجة فاطمة دويًا لا يُخيف، بل يُحب، وصوتًا لا يُنسى، لأن صداه خرج من القلب، فعاد إليه.