في زمن كانت فيه الحضارة المصرية ترسم ملامح العلم والمعرفة، برز اسم «باسشِشت» كأول طبيبة تتولى منصب «كبيرة الطبيبات» قبل أكثر من أربعة آلاف عام.
واليوم تعيد مكتبة الإسكندرية إحياء سيرتها عبر فيلم وثائقي جديد، يكشف جانباً إنسانياً وعلمياً من تاريخ «كِمِت»، ويؤكد أن مصر القديمة لم تكن فقط مهد المعابد والأهرامات، بل أيضاً منارة للطب المنظم والتخصص الدقيق.
◄ كبيرة الطبيبات
ضمن سلسلة «عارف.. أصلك مستقبلك»، أطلقت مكتبة الإسكندرية فيلمها الوثائقي «باسشِشت.. أول طبيبة مصرية»، ليقدم قراءة بصرية ومعرفية في سيرة واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في الدولة القديمة، ويعيد تسليط الضوء على ريادة المصريين القدماء في علوم الطب والجراحة.

ينطلق الفيلم من عمق التاريخ، مستعرضاً مشاهد من الحياة العلمية داخل «برعنخ» أو «بيت الحياة» بالمعابد، حيث تلقت باسششت تعليمها، قبل أن تشق طريقها في مهنة كانت قائمة على التخصص الدقيق.
فقد حملت لقب «كبيرة الطبيبات»، وهو اللقب الذي خُلّد على «الباب الوهمي» بمقبرة ابنها في هضبة الجيزة، المكتشفة عام 1932 على يد عالم الآثار سليم حسن،
ويُظهر الفيلم كيف تطورت باسششت في مناصبها المهنية حتى بلغت قمة الهرم الطبي، إذ مارست تخصصات متعددة شملت علاج السموم، وجبر الكسور، والتعامل مع الأورام، إلى جانب إشرافها على تدريب القابلات وتنظيم شؤون الولادة داخل المعابد.
◄ تقنيات العلاج والتأهيل
كما يتوقف العمل عند البنية المؤسسية للطب في مصر القديمة، التي أدهشت المؤرخ الإغريقي هيرودوت، فكتب أن «في مصر طبيباً لكل داء»، وهو توصيف يعكس وجود منظومة صحية متكاملة تقوم على التخصص، وليس على الممارسة العامة.
ويبرز الفيلم شواهد مادية تؤكد هذا التقدم، مثل الأدوات الجراحية الدقيقة، و«القدم التعويضية» و«كرسي الولادة» المحفوظين حالياً في المتحف القومي للحضارة المصرية، بما يعكس معرفة متقدمة بتقنيات العلاج والتأهيل.
ولا يغفل العمل الإشارة إلى تأثير هذا الإرث في الحضارات اللاحقة، حيث أقرّ الطبيب اليوناني أبقراط بأن البرديات المصرية في «سايس» و«منف» كانت من المراجع الأساسية لعلوم الطب والجراحة في العالم القديم.

كما يستعرض الفيلم أجواء الولادة الملكية كما وردت في بردية وستكار، والتي تحكي قصة ميلاد ملوك الأسرة الخامسة، وتكشف عن معرفة دقيقة بطقوس الولادة ورموزها، في سياق يجمع بين البعد الديني والعلمي.
◄ نقطة تحول بين فن العلاج وعلم الطب
ويختتم الوثائقي رسالته بالتأكيد على أن الطب عند المصري القديم لم يكن مجرد ممارسة علاجية، بل تحوّل إلى علم منظم، وهو ما عبّر عنه الطبيب والأديب محمد كمال حسين بقوله إن «الطب عند المصري القديم شكّل نقطة تحول بين فن العلاج وعلم الطب».
اقرأ ايضا| المتاحف العالمية تفشل في حماية التراث المصري.. آليات استرداد الآثار المنهوبة
ويأتي هذا العمل ضمن سلسلة وثائقيات «عارف.. أصلك مستقبلك» التي قدمت أعمالاً بارزة مثل «هيباتيا»، وتوت عنخ آمون، و«السرابيوم»، و«الكنيسة المعلقة»، و«حجر رشيد»، و«بورتريهات الفيوم»، وغيرها من الأفلام التي تعيد قراءة التاريخ المصري بلغة معاصرة تربط الماضي بالمستقبل.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







