في قلب صحراء سيناء، وعلى سفوح جبالها ووديانها، تنام آلاف النقوش والرسوم الصخرية التي تسجل فصولًا ممتدة من تاريخ الإنسانية، منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى الحضارات الكلاسيكية والإسلامية.
هذا التراث الفريد، الذي يمثل أرشيفًا مفتوحًا على الصخر، يواجه تحديات التوثيق والحماية، ما دفع حملة الدفاع عن الحضارة المصرية إلى المطالبة بإطلاق مشروع وطني شامل لتوثيق ودراسة ورقمنة هذه الكنوز تمهيدًا لتسجيلها على قائمة التراث العالمي.
اقرأ أيضا: سرابيط الخادم.. «أرض الفيروز» تنتظر مكانها على خريطة السياحة
أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن سيناء تزخر بآلاف النقوش والرسومات الصخرية التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وتضم رموزًا تصويرية ورسوم حيوانات تؤرخ لبدايات التعبير الإنساني.
ومن أحدث الاكتشافات ما عُثر عليه بهضبة أم عراك بمنطقة سرابيط الخادم، والذي أرجعه الدكتور خالد سعد إلى الفترة ما بين 5500 و4500 قبل الميلاد.
وتحمل منطقة سرابيط الخادم أهمية استثنائية لاحتضانها ما يُعرف بالأبجدية السينائية المبكرة، أقدم أشكال الكتابة الأبجدية في العالم، والتي تعود إلى القرنين العشرين والثامن عشر قبل الميلاد، قبل أن تنتقل إلى فلسطين فيما عُرف بالأبجدية الكنعانية، ومنها إلى الأرض الفينيقية، لتشكل أساس تطور الكتابات الأبجدية لاحقًا.
ولا تقتصر ثروة سيناء على النقوش ما قبل التاريخ، بل تضم أيضًا كتابات ورسومًا نبطية تؤكد التواجد النبطي في عدة مواقع مثل وادي المكتب قرب وادي فيران، ووادي طويبة قرب طابا، ووادي عرادة، وهضبة الدفادف بين نويبع ودهب، والتي تؤرخ للفترة من القرن الأول قبل الميلاد وحتى عام 106م، نهاية مملكة الأنباط.

- مشروع وطني لتوثيق النقوش
كما تنتشر كتابات يونانية قديمة تركها الحجاج المسيحيون في طريقهم إلى جبل الشريعة عبر الطريق الغربي المار بالإسكندرية وموقع حصن بابليون، إضافة إلى كتابات أرمينية قرب دير سانت كاترين، وكتابات عربية إسلامية أبرزها في جبل الناقوس بطور سيناء.
ومن هذا المنطلق، طالبت الحملة بإطلاق مشروع وطني لتوثيق هذه النقوش توثيقًا علميًا دقيقًا، يشمل دراستها وتأريخها ورقمنتها وإتاحتها للباحثين محليًا ودوليًا، تمهيدًا لإعداد ملف متكامل لتسجيلها تراثًا عالميًا ثقافيًا لدى UNESCO، خاصة أن آخر تسجيل لممتلك ثقافي مادي في المنطقة كان لمنطقة سانت كاترين عام 2002.
وأشار ريحان إلى توافر بنية تحتية يمكن استغلالها كمقر للمشروع، من بينها مبنى نموذجي مشيد بمنطقة سرابيط الخادم، إضافة إلى مبنى المركز العلمي للترميم ومقر البعثة اليابانية بطور سيناء، وهي منشآت غير مستغلة حاليًا ويمكن أن تصبح قاعدة لانطلاق المشروع القومي.

- ضرورة قومية
وفيما يتعلق بالتمويل، اقترح تخصيص جزء من ميزانية تنمية سيناء السنوية لأعمال التنقيب والتوثيق، على أن يكون المشروع تحت إشراف قطاع حفظ وتسجيل الآثار بالمجلس الأعلى للآثار، وبمشاركة علماء من مصر والدول العربية، خاصة في ظل وجود نقوش نبطية مشتركة بين مصر والأردن والسعودية.
كما دعا إلى التعاون مع مجلس الآثاريين العرب برئاسة الدكتور محمد الكحلاوي للاستفادة من الخبرات العربية والمكتبة المتخصصة التي تضم آلاف المجلدات في تراث وآثار الوطن العربي.
من جانبه، أكد الدكتور محمد عبد المقصود، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، أن إنشاء مركز وطني للنقوش الصخرية بسيناء ضرورة قومية، موضحًا أن وادي المكتب وحده سجل في القرن التاسع عشر 2772 نقشًا، ارتفع عددها إلى 3950 نقشًا بعد اكتشافات فترة الاحتلال الإسرائيلي بين 1967 و1982.
وكشف عبد المقصود أن فريقًا إسرائيليًا جمع خلال فترة الاحتلال نحو 8500 نقش، وأصدر موسوعة علمية بعنوان “Rock Inscriptions and Graffiti Project”، وأطلق موقعًا إلكترونيًا مدفوعًا يتيح بيانات وصور النقوش، ما يمثل استغلالًا مستمرًا لتراث سيناء حتى بعد استردادها، وهو ما يعزز الحاجة الملحة لمشروع مصري وطني يحفظ هذا التراث ويوثقه ويقدمه للعالم.

- سجل مفتوح لذاكرة الحضارات
واختتم ريحان بمناشدة وزير السياحة والآثار والأمين العام للمجلس الأعلى للآثار لتوقيع بروتوكول تعاون مع الاتحاد العام للآثاريين العرب، لوضع خطة تنفيذية للمشروع، ليصبح إنجازًا ثقافيًا بحجم المشروعات القومية الكبرى، ويسهم في تحويل سيناء إلى متحف مفتوح للنقوش والرسوم الصخرية، ويفتح آفاقًا جديدة لسياحة التراث الثقافي.
يُذكر أن التلفزيون الإنجليزي صور في فبراير 2019 فيلمًا وثائقيًا بمعبد سرابيط الخادم بعنوان "بداية الكتابة" ، بمشاركة المؤرخ الفرنسي بيير تاليه أستاذ جامعة السوربون، صاحب اكتشاف برديات وادي الجرف عام 2013 على ساحل البحر الأحمر، والتي تعود لعهد الملك خوفو، ومن بينها بردية الموظف "مرر" التي وثقت نقل كتل الحجر الجيري من محاجر طرة إلى الهرم الأكبر، في دليل أثري قاطع على التنظيم الإداري المصري في بناء الأهرامات.
وهكذا تبقى نقوش سيناء سجلًا مفتوحًا لذاكرة الحضارات، ينتظر قرارًا وطنيًا يحفظه للأجيال القادمة ويعيده إلى مكانته المستحقة على خريطة التراث الإنساني.


بودكاست 20+| يسري أبو شادي يكشف أسرار «ترسانة الرعب» والاختراق الأمريكي للطاقة الذرية
نقلة نوعية للقطاع الصناعي.. صندوق جديد لتمويل الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي
منذ 2500 عام.. كيف وصلت توابيت مصرية إلى تركيا؟







